تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم ماذا حدث بعد ذلك؟

إن التاريخ يحدثنا أنه بينما كان الغرب غارقا في لجج هذه الفوضى حدث في مرو تغيير جديد ذو شأن؛ ذلك أن المأمون قد تنبه في آخر الأمر لحرج الموقف وخطورة الحالة، ومن الغريب أن أول من نبه الخليفة إلى هذا الخطر المحدق به وبعرش آبائه وأجداده هو علي الرضا نفسه، فتبين المأمون أن ولايته للعهد كانت شؤما على الدولة؛ إذ سارت الأمور فيها من سيئ إلى أسوأ زهاء عام منذ توليه.

ويحدثنا التاريخ أن عليا الرضا خلا بالخليفة وكاشفه أن الفضل وزيره يكاتمه حقيقة الحال ويخفي عنه أمور الدولة، وأن أهل العراق يقولون عنه، أي الخليفة: إنه مجنون أو مسحور، وأن الخلافة توشك أن تفلت من يده بين إبراهيم والعلويين، وأن الحسين أخا الفضل يعمل في القضاء على الغرب، بينما طاهر ذلك القائد الباسل الذي يستطيع أن يقود سفينة الدولة إلى شاطئ النجاة منبوذ في سوريا.

وقد أيد هذه الحقائق للمأمون جماعة من قواد الدولة وزعمائها بعد أن أمنهم المأمون من غضب وزيره، ونصحوا إليه بأن خير علاج لسلامة الدولة أن يعجل بالعودة إلى بغداد، وقالوا له: إن هذه كانت نصيحة هرثمة التي جاء من أجلها منذ سنتين ليسرها إليه لو أنه أمهله واستمع له.

فأيقن المأمون أخيرا أن استسلامه للفضل وانقياده له كانا سببا لكل ما حدث من الفتن والثورات، فأمر بانتقال بيت الخلافة إلى بغداد، وما كادوا يحلون بسرخس وهم في طريقهم إلى بغداد حتى وجدوا الفضل قتيلا في حمامه - وكان الفضل قبل ذلك قد اضطهد جماعة القواد والزعماء الذين كشفوا أمره عند الخليفة - فوعد الخليفة بمكافأة لمن يأتيه بالقتلة، ولما قبض عليهم دافعوا عن أنفسهم بأنهم إنما قتلوه بأمر مولاهم الخليفة، ولكن لم يغنهم دفاعهم شيئا وضربت أعناقهم، وبعث الخليفة برءوسهم إلى الحسن بن سهل مشفوعة بكتاب تعزية منه، ووعده فيه بأنه سيستوزره خلفا من أخيه، وبلغ من عطف الخليفة عليه، أو من سياسته وحكيم تدبيره أن عقد زواجه من ابنته بوران التي كانت إذ ذاك، فيما قيل، طفلة في الحول العاشر من عمرها، ولم يدخل بها إلا بعد ثمان سنين بعد ذلك، وفي الوقت نفسه زوج إحدى بناته لعلي الرضا الذي كان في ذلك الوقت قد بلغ الرابعة والخمسين من عمره، كما زوج بنتا له أخرى من ابن علي الرضا، وكذلك ولى أحد إخوة علي الرضا إمرة الحج، وبهذه المصاهرة تمت مظاهر حسن العلاقات وتوثيق العرا بينه وبين الحزب العلوي، وكانت هذه المصاهرة في ذاتها تصرفا سياسيا آية في الحكمة والسداد.

لم يمض بعد ذلك غير قليل حتى حدث حادث آخر لم يكن متوقعا؛ ذلك أنه في أثناء سفر الخليفة إلى بغداد نزل بطوس في فصل الخريف، وهناك مات علي الرضا فجأة وقيل: إن موته كان بسبب إفراطه في أكلة عنب، فدفنه المأمون بجوار قبر أبيه الرشيد، فاهتزت الدولة لموته الفجائي الذي جاء عقب مقتل الفضل، وإنه لمن المعقول في مثل هذه الأحوال أن تنتشر الإشاعات، وتكثر الأراجيف في سبب موته، كما أنه من المعقول أيضا في مثل هذه الأحوال أن يصعب الوقوف على الحقيقة لتضارب الإشاعات وتناقض الأراجيف واختلاف وجهات النظر، وقد قيل فيما قيل: إن المأمون دس له السم في العنب، بيد أن الرعاية التي أظهرها المأمون لعلي الرضا خصوصا بعد توثيق عرا العلاقات بعد المصاهرة قد تدفع هذه الشبهة عن الخليفة.

إنا لا نمنعك من أن تفترض من جهة أخرى أن الفضل وعليا كانا عقبة كأداء في سبيل المأمون لا يزيلها من سبيله إلا موتهما، ويجوز لك أن تذهب في التدليل على أن المأمون كان يعد عليا عقبة في سبيل إرضاء أهالي بغداد، إلى أنه في الوقت الذي كتب فيه كتاب تعزية إلى الحسن بن سهل ينعى فيه موت علي أرسل كتابا آخر إلى أهل بغداد يقول لهم فيه: إن عليا الذي أظهروا سخطهم وتبرمهم من إسناد ولاية العهد له قد قضى، فلا شيء إذن يمنعهم الآن من العودة إلى طاعته وموالاته.

عصر المأمون · الصفحة ١١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١١٦