تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونجد فيها قبائح وفضائح لحسن بن حسين هذا مع زوجة قرشية من بني فهر، وزوجها من بني مخزوم، ولها جمال بارع، فاغتصبها من زوجها، ونجد فيها مثل ذلك الصنيع المعيب من علي بن محمد، الخليفة المنصوب، مع ابن القاضي إسحاق بن محمد، وكان جميلا بارعا في الجمال.

نجد ذلك كله ونجد الكثير من أمثاله مما أدى إلى إثارة الرأي العام في مكة، فاحتجوا حتى رد الصبي لأبيه مكرها مرغما! ونجد فيها أمثلة عدة لاستلاب أموال الناس، كما نجد فيها رجلا عباسيا موتورا من العلويين، وهو محمد بن الحكيم، ممن كان الطالبيون قد انتهبوا داره وعذبوه عذابا شديدا، عثر على محمد بن جعفر الطالبي الخليفة المنصوب، وقد طرد شر طردة، وكان في مقدوره أن يقتله فلم يفعل، فلنقيد هذه الحادثة فإنها تنفعنا في تفهم السر الذي كان كثيرا ما يحدو بالمأمون إلى احترام العلويين وتقدير مكانتهم والعمل على إرضائهم؛ لأن لهم حرمة في نفوس حزب غير قليل من الشعب.

ونجد في السنة ذاتها أن الحج قد تولاه أكثر من شخص لتعدد السلطات، فندب المأمون أبا إسحاق بن هارون الرشيد، ووجه إبراهيم بن موسى الطالبي الذي خرج باليمن رجلا من ولد عقيل بن أبي طالب، كما وجه غيره من يمثله، مما يدل على الفرقة والانقسام وعلى الفوضى والاضطراب، فلتتعرف ذلك جيدا.

ويجدر بنا هنا أن نبين نتائج الحالة الحزبية بين الفريقين؛ فقد بلغ أبا إسحاق بن الرشيد أن الجماعة الطالبية التي أتت من اليمن للحج قد مرت بها قافلة من الحاج والتجار، وفيها كسوة الكعبة وطيبها، فاستلبت أموالهم وطيبهم، فندب لهم محمد بن عيسى بن يزيد الجلودي الذي أحدق بهم فأسر أكثرهم، وهرب من هرب منهم، وأخذ منهم الطيب وأموال التجار والحاج فوجه به إلى مكة، ودعا بمن أسر من أصحاب العقيلي العلوي فأمر بهم فقنع كل رجل منهم عشرة أسواط، ثم قال لهم: «اعزبوا يا كلاب النار، فوالله ما قتلكم وعر، ولا في أسركم جمال» وخلى سبيلهم. ولنلاحظ تسميته لهم ب «كلاب النار».

وإنا نلخص لك الحوادث التي وقعت بعد أن قمع هرثمة ثورة أبي السرايا التي انتهت بقتله عام 200ه وإخماد فتنته، معتمدين في ذلك على الطبري والأستاذ «ميور» خاصة.

لما قمع هرثمة ثورة أبي السرايا عاد إلى نهروان دون أن يعرج على والي بغداد، وهناك وافاه أمر الخليفة بتوليه حكم سوريا وبلاد العرب، وكان قد اعتزم الذهاب بعد ذلك إلى «مرو» مباشرة ليكشف للخليفة عن حقيقة الموقف وحرجه الذي يخفيه عنه وزيره الفضل، بسبب بقاء الخليفة في «مرو»، وأن الغرب سينتقض عليه سريعا ويخرج من يده إذا هو لم يبادر إلى العودة إلى بغداد، فلما أحس الفضل عزم هرثمة على القدوم فطن إلى ما ينويه، فدس له عند المأمون حتى أوغر صدره عليه، وكادت السنة تنتهي قبل أن يذهب هرثمة إلى «مرو»، فلما ذهب خشى أن يكتم الفضل خبر قدومه عن المأمون، فدق الطبول عند دخوله المدينة، فلما علم الخليفة الموغر الصدر بقدومه أمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه بالغ في تقريعه وتأنيبه على توانيه في تسكين ثورة أبي السرايا، وفي مخالفة ما أصدره إليه من أمره بالذهاب إلى ما ولاه من أعمال، وما كاد هذا القائد يهم بالكلام ويشرح لمولاه الحالة حتى هجم عليه الحرس الذين أسر إليهم الفضل أن يغلظوا في تعذيبه، فانهالوا عليه ضربا ولكما على وجهه وجسمه ثم سحبوه بسرعة إلى السجن حيث مات به بعد زمن قصير متأثرا بجروحه، ولقد اعتقد عامة الناس أن الذي أماته هو الفضل.

وهكذا انطوت صحيفة هذا الباسل العظيم الذي ذب عن ملك المأمون، وكافح في توطيد دعائم الدولة من إفريقية إلى خراسان، والذي يرجع إليه الفضل الأكبر في انتصار المأمون على أخيه المخلوع.

ومات هذا القائد العظيم ضحية للسعاية ونكران الجميل كما مات أمثاله من قبل من صناديد هذه الدولة من جراء السعاية والمنافسة، ومن جراء أعمال البطانة ودسائس الحاشية.

عصر المأمون · الصفحة ١١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١١٤