انظر إلى ذلك كله، فإنك تستطيع أن تقتنع معنا بأن لسوء التدبير حظا غير قليل في خذلان الأمين وضياع ملكه. (9) مظاهر الثورة وخطباؤها
على أن هناك ظاهرة في الجيش الأميني والأطراف الأمينية مثل ظاهرة الثورة الفرنسية من بعض وجوهها يجدر بنا أن نقيدها لك ولو «على الهامش» كما يقولون.
ذلك أن الزواقيل واللصوص والثوار لعبوا دورهم الخطير، كما أن الفوضى ضربت بجرانها على كل البقاع الأمينية، ولم يكن ثمة من طاعة ولا نظام لا في الجند الأميني ولا في قادة الجند الأميني.
وقد كان هناك خطباء كما كان في الثورة الفرنسية، وإن الطبري ليحدثنا أن محمد بن أبي خالد قام بباب الشام فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب يتأمر الحسين بن علي علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا؟ ما هو بأكبرنا سنا، ولا أكرمنا حسبا، ولا أعظمنا منزلة! وإن فينا من لا يرضى بالدنية ولا يقاد بالمخادعة، وإني أولكم نقضا لعهده، وإظهارا للتغيير عليه والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأيي فليعتزل معي، وقام أسد الحربي فقال: يا معشر الحربية، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرتم فقدم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خلع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكه وإطلاقه.
يحدثنا التاريخ عن ذلك كله كما يحدثنا بأن شيخا كبيرا من أهل الكفاية قد أقبل على فرس فصاح بالناس: اسكتوا! فسكتوا فقال: أيها الناس، هل تعتدون على محمد بقطع منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدا من قوادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك، قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على اضطهاده وأسره؟! أما والله ما قتل قوم خليفتهم قط إلا سلط الله عليهم السيف القاتل والحتف الجارف. انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه وقاتلوا من أراد خلعه والفتك به.
أما ما أصاب بغداد من سلب ونهب وتحريق وتخريب، وفتنة شعواء وقتل ودماء، فإنا نترك الكلمة في ذلك لشعراء العصر مما أثبتناه لك في باب المنظوم من الكتاب الثالث من المجلد الثالث، فلتراجع ثمة. (10) قتل الأمين
ولقد ضيق طاهر وهرثمة على الأمين الخناق، وفكرا فيمن يتسلم الأمين ليكون له قصب السبق، وإنه لمن المؤلم حقا أن ترى الأمين وهو يقبل أولاده، ومن المؤلم أن تسمعه وهو يقول: «وددت أن الله قتل الفريقين جميعا، فما منهم إلا عدو من معي ومن علي، أما هؤلاء فيريدون مالي، وأما أولئك فيريدون نفسي!» وقال:
تفرقوا ودعوني
يا معشر الأعوان
فكلكم ذو وجوه
كثيرة الألوان
وما أرى غير إفك
وترهات الأماني
ولست أملك شيئا
فسائلوا خزاني
فالويل لي ما دهاني
من نازل البستان؟
وإنه لمن المؤلم حقا أن يتفقا على أن يأخذ أحدهما بدنه، والآخر خاتم الخلافة وشاراتها! ومن المؤلم حقا أن تختم حياته بمأساته المروعة.
| هوامش
الفصل الرابع
| الخليفة المأمون
(1) توطئة
من تحصيل الحاصل أن نقول ما يقوله الفخري وغيره من أن المأمون كان من أفاضل الخلفاء وعلمائهم، وحلمائهم وحكمائهم، أو أنه كان دينا، عارفا بالعلم، فيه دهاء وسياسة، أو أنه كان فطنا ذكيا، أو أنه كان كاملا عالما جوادا، عظيم العفو، ميمون النقيبة، حسن التدبير، جليل الصنائع، لا تخدعه الأماني، ولا تجوز عليه الخدائع، علمه بما بعد عنه كعلمه بما حضر، أو أنه كان متصفا بالعدل والحلم.
من تحصيل الحاصل أن نقول ذلك لأنه معلوم متعارف من ناحية، ولأن خطتنا في كتابتنا ومنجهنا في بحوثنا أن نترك للحوادث الكلمة الفاصلة في تحليل صفاته اتباعا للطريقة التحليلية التي اتبعناها فيما كتبناه عن سواه.
وقد أسلفنا لك القول في بيان حياة المأمون قبل الخلافة، وفصلنا لك ما كان من أمر النزاع بين الأخوين، ووصلنا بك إلى مأساة تلك الحرب الشعواء والفتنة العمياء، ألا وهي قتل محمد الأمين في 25 محرم سنة ثمان وتسعين ومائة، والآن نتقدم إلى القول بأن المأمون بويع له بالخلافة العامة في ذلك التاريخ، واستمر كذلك إلى أن توفي غازيا في 19 رجب سنة 218ه، فتكون خلافته قد أنافت على عشرين سنة، أقام منها في خراسان حتى منتصف صفر سنة 204، حين انتقل إلى بغداد مقر الخلافة العباسية.