وهنا لا نرى مندوحة من إثبات ذلك المجهود العظيم الذي بذله الفضل بن الربيع أو الأمين، كيفما شئت التعبير، في استمالة القلوب النافرة من الجماعة المأمونية، فقد كان، والحق يقال، طلق اليدين، ندي الكفين، كثيرة جدواه، وافرة حذياه، عظيمة عطاياه، ولم يأل جهدا في إرسال دعاته وأنصاره لبث الدعوة الأمينية في العامة، وإظهارهم على رجحانها وحقها وعدلها، وإظهار الحجة المفارقة، والدعاء لأهل القوة إلى المخالفة. وكان هؤلاء الدعاة يبذلون المال، ويضمنون للأنصار معظم الولايات والقطائع، وصفوة القول أن تصرف الأمين وجماعته من هذه الناحية كان قريب الشبه بتصرف المأمون وجماعته.
ولكن هؤلاء الدعاة وجدوا جميع ذلك ممنوعا محسوما، حتى صاروا إلى باب المأمون، وهنا يجب أن نقول: إن الحرب الكلامية قد بدأت تشتد بين الأخوين، والحرب الكلامية، أيدك الله، هي ميزة هامة من ميزات العصر العباسي، وقد صدق «كشاجم» في قوله مشيرا إلى عداوة أصحاب الأقلام في تلك الدولة ومهادنة أصحاب السيوف:
هنيئا لأصحاب السيوف بطالة
تقضى بها أوقاتهم في التنعم
فكم فيهم من وادع العيش لم يهج
لحرب ولم ينهد لقرن مصمم
يروح ويغدو عاقدا في نجاده
حساما سليم الحد لم يتثلم
ولكن ذوو الأقلام في كل ساعة
سيوفهم ليست تجف من الدم
وإن المطلع على تاريخ العصر، المستقصي لدقائقه وجلائله، الواقف على أسراره وخفياته، وآدابه ومشاوراته، ليوافق أولئك الذين يذهبون في القول بأن قوام السياسة في هذه الدولة كان على التحيل والمخادعة أكثر مما كان على القوة والشدة.
لننتقل الآن إلى ذكر الكتاب الذي بعث به الأمين إلى أخيه مع رسله الذين بعثهم للدعوة وإثارة رجالات المأمون قبل كل اعتبار، فهاكه: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين الرشيد وإن كان أفردك بالطرف، وضم ما ضم إليك من كور الجبل تأييدا لأمرك، وتحصينا لطرفك، فإن ذلك لا يوجب لك فضلة المال عن كفايتك، وقد كان هذا الطرف وخراجه كافيا لحدثه، ثم يتجاوز بعد الكفاية إلى ما يفضل من رده، وقد ضم لك إلى الطرف كورا من أمهات كور الأموال لا حاجة لك فيها، فالحق فيها أن تكون مردودة في أهلها ومواضع حقها، فكتبت إليك أسألك رد تلك الكور إلى ما كانت عليه من حالها؛ لتكون فضول ردها مصروفة إلى مواضعها، وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدي إلينا علم ما نعنى به من خبر طرفك، فكتبت تلط دون ذلك بما إن تم أمرك عليه صيرنا الحق إلى مطالبتك، فانثن عن همك أنثن عن مطالبتك، إن شاء الله».
ورد الكتاب على المأمون، وقرأه المأمون وجماعته، فسرعان ما رد المأمون وحزبه عليه بهذا الكتاب: «أما بعد، فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين، ولم يكتب فيما جهل فأكشف له عن وجهه، ولم يسأل ما لا يوجبه حق فيلزمني الحجة بترك إجابته، وإنما يتجاوز المناظران منزلة النصفة ما ضاقت النصفة عن أهلها، فمتى تجاوزها متجاوز، وهي موجودة الوسع، لم يكن تجاوزها إلا عن نقضها واحتمال ما في تركها، فلا تبعثني يا ابن أبي على مخالفتك وأنا مذعن بطاعتك، ولا على قطيعتك وأنا على إيثار ما تحب من صلتك، وارض بما حكم به الحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق فيما بيني وبينك، والسلام».
ثم انظر إلى نعومة المأمون السياسية - ونثق أنها ستروقك كثيرا، وأنك ستشهد بعلو كعب صاحبها في الفنون السياسية - فإن التاريخ يحدثنا أنه أحضر رسل أخيه وقال لهم: «إن أمير المؤمنين كتبت إليه في أمر كتب إلي جوابه، فأبلغوه الكتاب، وأعلموه أني لا أزال على طاعته، حتى يضطرني بترك الحق الواجب إلى مخالفته»، فأراد أعضاء الوفد الأميني أن يذهبوا في أفانين القول، وأرادوا المحاجة والمدافعة، وأرادوا المفاوضة والمناقشة، ولكن المأمون السياسي المتيقظ جبار العقل قطع عليهم سبيل القول وسبيل التفكير؛ إذ جابههم بقوله: «قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم! وأحسنوا تأدية ما سمعتم، فقد أبلغتمونا من كتابنا ما لا عسى أن تقولوه لنا».