1
وقتلتنا، وصاحبكم يزعم أنه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه؛ أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.»
وكيف يستطيع علي أن يدفع إلى معاوية قتلة عثمان؟! وماذا يكون موقفه أمام ذلك الحزب القوي الناقم على الخليفة المقتول؟! فلذلك كان من المعقول أن يقف رده أمام هذه المشكلة السياسية عند قوله: «أما ما سألت من دفعي إليك قتلته؛ فإني لا أرى ذلك؛ لعلمي بأنك إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمله، ومرقاة إلى ما ترجوه، وما الطلب بدمه تريد.» (4) معاوية
لسنا نتعرض للحكم على دين معاوية ومبلغ تمشيه في تصرفاته السياسية وإقامته لحدود الله مع أحكام الشرع؛ فقد تكلم في ذلك فيه الشافعي والحسن البصري، وإنما نريد أن نمثل معاوية مؤسس الملكية في الإسلام، وواضع أسس السياسة الدنيوية، والذي قال فيه عمر بن الخطاب لجلسائه: «تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية!» (5) سياسة معاوية
كان معاوية ذا مواهب سياسية كبيرة، وكان داهية ذهنا بعيد مدى العقل، مالكا قياد أهوائه، كان «ذا مكر وذا رأي وحزم في أمر دنياه، إذا رأى الفرصة لم يبق ولم يتوقف، وإذا خاف الأمر توارى عنه، وإذا خوصم في مقال ناضل عنه وقطع الكلام على مناظره»، كان يعمل جهده ليشتري ضمائر القبائل العربية، وكان كثير البذل في العطاء.
وقد ذكر الطبري حادثة نستطيع أن نستنبط منها نظر معاوية إلى المال وإلى مبلغ استعماله إياه ليملك به ضمائر أهل المكانة والنفوذ من معاصريه - ذكر أن أبا منازل قال له حينما أعطاه معاوية سبعين ألفا بينما أعطى جماعة من الزعماء ممن في مرتبته مائة ألف: فضحتني في بني تميم، أما حسبي فصحيح! أولست ذا سن؟! أولست مطاعا في عشيرتي؟! فقال معاوية: بلى، قال: فما بالك خسست بي دون القوم؟! فقال: إني اشتريت من القوم دينهم ووكلتك إلى دينك ورأيك في عثمان بن عفان - وكان عثمانيا - فقال: وأنا فاشتر مني ديني، فأمر له بتمام جائزة القوم.
كان سياسيا بطبيعته، معطاء وهوبا بسجيته، وقد صدق في صفته أبو الجهم الشاعر إذ قال:
نميل على جوانبه كأنا
نميل ولا نمين على أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه
فنخبر منهما كرما ولينا
وإنا نستطيع أن نفهم فهما صحيحا: أكانت ثورة معاوية لقتل عثمان ثورة مصدرها إخلاصه العميق في العثمانية، وأنه كان يريد بها أن يجري حكم الشرع في قتلة عثمان، أم ثورة مصدرها طموحه إلى الملك ليغتصبه لنفسه؟ نستطيع أن نفهم ذلك من حديث جرى بينه وبين عائشة بنت عثمان؛ فإن التاريخ يحدثنا أن معاوية لما قدم المدينة دخل دار عثمان، فقالت عائشة بنت عثمان: وا أبتاه! وبكت، فقال معاوية: «يا ابنة أخي، إن الناس أعطونا وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحت غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا، ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض المسلمين.»
وقد لا نجد تصويرا أدق لسياسة معاوية وطريقة حكمه من قوله: «لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ قيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها.»
فهذا القول يبين حلمه وطول باعه في السياسة وهدوء أعصابه إذا جابهته المشكلات، أو نزلت بساحته الكوارث والمعضلات، ويظهر سعة عطنه وحزمه، ولقد قال له يزيد يوم بويع له على عهده فجعل الناس يمدحونه ويقرظونه: «يا أمير المؤمنين، والله ما ندري: أنخدع الناس أم يخدعوننا؟!» فقال معاوية: «كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته.»
ثم انظر إلى مختلف تصرفات معاوية في حياته السياسية وغيرها؛ فإنك لتقتنع بصدق حكم الشعبي الذي قال فيه: «كان معاوية كالجمل الطب إذا سكت عنه تقدم، وإذا رد تأخر.» (6) مميزات معاوية