قال صاحب كشف الظنون: «الأدب علم يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا وكتابة.» وواضح بعد ذلك أن الأدب ليس هو المنظوم والمنثور، بل هو مجموع العلوم العربية، كما قال المؤلف نفسه: «اعلم أن فائدة التخاطب والمحاورات في إفادة العلوم واستفادتها، لما لم تتبين للطالبين إلا بالألفاظ وأحوالها، كان ضبط أحوالها مما اعتنى به العلماء، فدعت معرفة أحوالها إلى علوم انقسم أنواعها إلى اثني عشر قسما، سموها العلوم الأدبية؛ لتوقف أدب الدرس عليها بالذات، وأدب النفس بالواسطة، وبالعلوم العربية أيضا لبحثهم عن الألفاظ العربية» (طبعة أوروبا، صفحة 217).
وما دام الأدب هو ما يحترز به عن الخلل في كلام العرب لفظا وكتابة كما رأينا، أو هو كما قال الجرجاني في تعريفاته: «عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ.» فلا يصح بعد هذا أن نريد منه النظم والنثر؛ لأن الأدب - كما قالوا - وسيلة لفهم الشعر والنثر اللذين هما أنواع كلام العرب، والوسيلة غير الغاية فلا بد أن نخص ما نفهمه الآن أدبا بالشعر والنثر البليغ، ونطلق عليه «بلاغة» لتكون تسمية حقيقية لا تمس الاصطلاح القديم، بل تنطبق على تعريف البلاغة، فنقول: «بلاغة العرب» ونريد ما يريده الناس الآن من «أدب العرب».
وعلى هذا تكون البلاغة كل قول الغرض منه - قبل كل شيء - الاستيلاء على نفس السامع أو القارئ بفصاحة العبارة وحسن التركيب، وبراعة الكاتب أو الشاعر، أو بعبارة أخصر «هي الكلام الفني الممتع»، والكلام الفني يملأ نفس السامع وعواطفه في أي موضوع كان، وعلى أي معنى دل، وذلك يطابق معنى البلاغة عند العرب كما قال الجاحظ: «وأحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه ... فإذا كان المعنى شريفا واللفظ بليغا، وكان صحيح الطبع، بعيدا عن الاستكراه، ومنزها عن الاختلال، ومصونا عن التكلف، صنع في القلب صنيع الغيث في التربة الكريمة. ومتى فصلت الكلمة على هذه الشريطة، ونفذت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها الله من التوفيق، ومنحها من التأييد، ما لا يمتنع عن تعظيمه صدور الجبابرة، ولا يذهل عن فهمه عقول الجهلاء.»
3
ويمكن رفع اللبس بين البلاغة وعلوم البلاغة المصطلح عليها الآن، بالرجوع إلى قول عبد القاهر الجرجاني وأشياعه، الذين كانوا يطلقون علوم البيان على علوم البلاغة. على أن الفرق واضح بين البلاغة وعلوم البلاغة.
ويؤيد قولنا: إنه يصح إطلاق البلاغة على ما نسميه «أدب اللغة» أن البلاغة هي تحبير اللفظ وإتقانه؛ ليبلغ المعنى قلب السامع أو القارئ بلا حجاز، ولينال الكاتب أو الشاعر من الأفئدة ما يريد، وهي المقصودة بقوله - عليه السلام: «إن من البيان لسحرا.» وأنها إبلاغ المتكلم حاجته بحسن إفهام السامع؛ ولذلك سميت بلاغة، وأنها حسن العبارة مع صحة الدلالة،
4
وأنها إهداء المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.
وأوضح من هذا قول ابن المقفع - كما رواه ابن رشيق وأبو هلال العسكري والجاحظ. قالوا: «لم يفسر أحد البلاغة تفسير ابن المقفع؛ إذ قال: البلاغة اسم لمعان تجري في صور كثيرة؛ فمنها ما يكون في السكون، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا، ومنها ما يكون خطبا»، إلى آخر ما ذكر.
5
وقد أطلقوا على الكلام البليغ بلاغة، وقالوا: «بلاغات النساء»، وإذا قالوا: فلان بليغ، أرادوا به شاعرا أو كاتبا فصيح العبارة، واضح المعنى، بقلمه وبلسانه ضرب من سحر الكلام، وشيء من معرفة امتلاك الأفهام، بخلاف الأديب فإنه ليس من الضروري أن يكون شاعرا أو ناثرا. وفي الكلام الآتي عن البلاغة ما يدل أيضا على صحة ذلك، مما رواه الجاحظ في البيان والتبيين عن بعض الأدباء: «أنذركم حسن الألفاظ، وحلاوة مخارج الكلام؛ فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا، وأعاره البليغ مخرجا سهلا، ومنحه المتكلم قولا متعشقا، صار في قلبك أحلى، ولصدرك أملأ. والمعاني إذا اكتسبت الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما بينت، وعلى حسب ما زخرفت ...»