تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

غير أنا لا نجد المبتدئ في طلب التصنع ومزاولة الكلام أكثر انتفاعا منه بمطالعة شعر حبيب وشعر مسلم بن الوليد لما فيهما من الفضيلة لمبتغيها؛ ولأنهما طرقا إلى الصنعة ومعرفتها طريقا سابلة، وأكثرا منها في أشعارهما تكثيرا سهلها عند الناس وجسرهم عليها. على أن مسلما أسهل شعرا من حبيب وأقل تكلفا، وهو أول من تكلف البديع من المولدين وأخذ نفسه بالصنعة، ولم يكن في الأشعار المحدثة قبل مسلم إلا النبذ اليسيرة، وهو زهير المولدين كان يبطئ في صنعته ويجيدها» (عمدة، جزء أول، ص83-85).

كل هذا يدل على أن الخلاف لم يكن في اختراع نوع جديد من أنواع الشعر الذي لم يكن عند العرب القدماء، وإنما هو في الأسلوب والديباجة والصناعة لا غير ...

5

على أن المحدثين أنفسهم لم يقولوا إنهم اقترحوا جديدا، أو جاءوا بنوع لم يكن عند العرب، وكل ما قالوه يرجع إلى الخيال الذي يرجع في جملته إلى الشعر الوجداني، ولا يدل على شيء من الأطوار الأدبية، ولا أنبئكم بباب «السرقة في الشعر» وانتشاره في كتب النقد؛ فكم أخذ الأواخر من الأوائل، وكم معنى ابتكره البدوي فأخذه عنه الحضري المحدث، وغير من لفظه لينسبه إلى نفسه. وباب السرقات طويل جدا يدل على أن المحدثين في جملتهم لم يخترعوا ولم يبتكروا. قال عبد العزيز الجرجاني في كتابه «الوساطة»: «والسرق - أيدك الله - داء قديم، وعيب عتيق. وما زال الشاعر يستعين بخاطر الآخر ويستمد من قريحته، ويعتمد على معناه ولفظه. وكان أكثره ظاهر التوارد، الذي صدرنا بذكره الكلام، وإن تجاوز ذلك قليلا في الغموض لم يكن فيه غير اختلاف الألفاظ، ثم تسبب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب، وتغيير المنهاج والترتيب، وتكلفوا جبر ما فيه من النقص بالزيادة والتأكيد، والتعريض في حال، والتصريح في أخرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله ... ومتى أنصفت علمت أن أهل عصرنا ثم العصر الذي بعدنا أقرب إلى المعذرة، وأبعد من المذمة؛ لأن من تقدمنا قد استغرق المعاني وسبق إليها، وأتى على معظمها، وإنما يحصل على بقايا؛ إما أن تكون تركت رغبة عنها واستهانة بها، أو لبعد مطلبها واعتياص مراميها، وتعذر الوصول إليها. ومتى أجهد أحدنا نفسه وأعمل فكره، وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى يظنه غريبا مبتدعا، أو يجد له مثالا يغضي من حسنه، ثم تصفح عنه الدواوين لم يخطئ أن يجده بعينه، أو يجد له مثلا يغضي من حسنه ...» إلخ (ص166-167).

ومع ذلك فقد لمحوا في نفوسهم الحاجة إلى التغيير والانتقال، فقال الفرزدق في شعر عمر بن أبي ربيعة: «هذا الذي كانت الشعراء تطلبه، فأخطأته وبكت الديار» (أغاني، أول، ص36). ولعل هذا أول من شعر بالحاجة إلى شيء جديد في الشعر قبل مطيع بن إياس، الذي روى خبره صاحب الأغاني، قال: قال مطيع بن إياس: جلست أنا ويحيى بن زياد إلى فتى من أهل الكوفة، كان ينسب إلى الصبوة ويكتم ذلك، ففاوضناه وأخذنا في ذكر أشعار العرب ووصفها البيد، وما أشبه ذلك فقال:

لأحسن من بيد يحار بها القطا

ومن جبلي طي ووصفكما سلعا

تلاحظ عيني عاشقين كلاهما

له مقلة في وجه صاحبه ترعى

6

كان ذلك في مدة الأمويين وفي أوائل الدولة العباسية. فلما تربع الفرس في دولة بني العباس وعلا شأنهم، أثروا في كل شيء وأثروا في الشعر أيضا. وكان يمكن أن يكون هذا الأثر سببا لانقلاب عظيم في تاريخ الشعر العربي. ولكن هذه العاصفة الآرية التي هبت من بلاد الفرس، لم توشك أن تظهر حتى ذهبت هباء في صحراء العرب، فهزم السامي الآري؛ لأن الدولة كانت له واللغة لغته والدين دينه، بل لم يكتف الآري بهذه الهزيمة حتى اندمج في السامي وأخذ عنه، وبدل أن يؤثر فيه تأثر منه. وهذه من مزايا اللغة العربية؛ فإنها لم تظهر في أمة من الأمم التي دانت بكتابها الكريم إلا أثرت في عقولها ومعلوماتها، وجذبتها إليها ومحت منها خواص لغتها، واستولت على خيالاتها وتسربت إلى لغاتها، واحتلت بحق أو بغير حق مواضع البلاغة منها؛ شأن القوي في الإنسان والحيوان والنبات؛ وذاك ما نراه حتى الآن في بلاد الفرس وفي بلاد الترك وفي بلاد البربر وفي مصر، مع ذلك ظهر أثر الفرس في الشعر العربي، فقد أراد الشعراء أن يدخلوا في الشعر العربي أثر المدنية الحديثة، وأن يخرجوا من مضيق البلاغة وفنون البيان إلى العبارات النفسية.

مقدمة لدراسة بلاغة العرب · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مقدمة لدراسة بلاغة العربص ٤٩