مثل هذه الآراء لا يصح أن تعد من النقد الصحيح، ولو كانت آراء لأكبر الشعراء أو الأدباء؛ لأنها مبنية على الميول الصرفة والأهواء الشخصية، لا على مذهب ثابت، ولا على رأي صحيح؛ فلا يصح أن يكون هذا من النقد في شيء.
كذلك ابتدأ النقد عند العرب، وكان لا بد أن يكون في أول أمره على هذه الحال. ولكنه انتهى أيضا بنحو ذلك أو ما يقرب من هذا. ولا يمكننا أن نجعل هذه الآراء النقدية داخلة في المذهب النقدي المعروف بمذهب «التأثير والانفعال »؛ لأن هذا المذهب مبني على ذوق سليم، تهذب بالتربية والتعليم والقراءة الكثيرة لأنواع بلاغات الأمم المختلفة، والموازنة بينها.
لهذا كان النقد الأدبي ليس له تاريخ في بلاغة العرب، (ولا بد من الفرق بين النقد الأدبي الذي شرحنا شيئا منه عند الأمم الأخرى، وبين علوم البلاغة عند العرب)، ولم يبحث فيه باحث بحثا خاصا يبين المذاهب المختلفة، التي كانت تكون هداية الكتاب والشعراء وقدوة البلغاء. فمن العبث أن يبحث الإنسان عن أطوار النقد، أو عن المذاهب المختلفة فيه عند العرب؛ لأنه من الفنون التي لم تنضج في الآداب العربية، ويخيل إلينا أن أدباء العرب لم يفهموا النقد بالطريقة التي يفهمها أدباء اليوم من «تحليل» الأفكار والآراء، وصلة الكتابة بالكتاب أنفسهم، والمؤثرات الأخرى، وأنهم لم يعتبروا أن البلاغة مظهر من مظاهر الاجتماع، وغير ذلك من الأسباب التي دعت إلى رقي الأدب الحديث.
ونعود فنقول: إن كل ما وجد من النقد هو أفكار فردية، وآراء لبعض كبار الأدباء، منثورة مبعثرة في كتب الأدب والأخبار، وفي طبقات الشعراء وتراجمهم (ومن أراد أن يطلع على ذلك فليراجع مقدمة «الشعر والشعراء» لابن قتيبة، ومقدمة «جمهرة أشعار العرب» لابن أبي الخطاب، وترجمة النابغة الذبياني في الأغاني، وغيره من فطاحل الشعراء، كجرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم). •••
إذا بحثنا عن هذه الآراء في النقد وجدناها ناشئة من طبيعة العربي ومزاجه؛ لأن العربي شجاع، شديد التأثر بالكلام، سريع الغضب، لا يحب السكون كثيرا، ولا يميل إلى الهدوء، يهيج لأقل سبب، ويغضب لأدنى مناسبة، شريف النفس، لا يقبل الضيم، يضحي بكل شيء في الدفاع عن شرفه، أكثر أخلاقه ظهورا الشهامة وحب الانتقام، كانت تكفيه الكلمة يسمعها، فتهيج من نفسه، وتثير فيها حب النزال، وتؤجج حربا عوانا. على هذه الأخلاق وعلى هذا الشعور وعلى هذه الفطرة المتأججة كان مظهر آراء العربي في كل ما يفهم وفي كل ما يدرك؛ فظهر ذلك في نقده الشعر والشعراء، وتذوقه الكلام البليغ، فكان أحسن الكلام لديه أكثره أثرا في النفس وهياجا للعواطف، وأحسن الشعر ما احتوى على عبارات ضخمة وألفاظ تستولي على السامعين، وتملك من نفوسهم وتنال منهم، بقطع النظر عن كل شيء آخر؛ من أجل ذلك كان للألفاظ المنزلة الأولى في الكلام، وكان لها المكان الأول في نفس السامع، وربما كان ذلك من البواعث على استقلال كل بيت من الشعر بمعنى تام، وعلى أنه كان يكفي سماع بيت واحد يهز النفس، ويشغل الفكر، ليحكم الشاعر بأن هذا أفضل بيت قالته العرب؛ لهذا أيضا قلما اجتمع الناس على شاعر واحد يفضلونه.
1 •••
وبعد، فإما أن يكون النقد عبارة عن قضايا الغرض منها إرشاد الكتاب والشعراء إلى الطريقة المثلى في الأساليب وصناعة الكلام، وهذا هو النقد البياني - نسبة إلى علوم البيان التي هي علوم البلاغة - ويدخل تحت هذا القسم البحث في الألفاظ والأساليب، وما بها من: الاستعارة، والتشبيه، والمجاز، والمحسنات البديعية. وهذا النوع من النقد أكثر ما يكون شيوعا في النقد الأدبي عند العرب.
وإما أن يكون النقد عبارة عن البحث عما في الكتابة والشعر من الأفكار والآراء، واختيار الموضوعات واستيعابها ودقة الملاحظة في المعاني الصحيحة الاجتماعية، والغرض الذي يعود على القراء من ذلك، ثم «تحليل» النفوس الذي ذكرت أثناء الكلام - كما في القصص التي يقصد منها تصوير الطبائع ورسم النفوس الإنسانية - ثم ترتيب الكلام، ومعرفة طريقة الكاتب في الفهم والإدراك والتصور، ومقدار ما عنده من الحذق في الصناعة، وعلى الجملة كل ما له صلة بنفسه وكتاباته. وهذا هو النقد «التحليلي» وهو الذي يكشف أسرار العقول، ويوضح المؤلفات وما بها، ويظهر قيمتها الفنية ويبين منزلتها من العلوم والفنون، وأكثر ما يكون هذا النقد في الآداب الاجتماعية والفلسفية المملوءة بالآراء والأفكار وأشكال الناس وصور الحياة، وهو أقل ما يكون ظهورا في الوصف والوجدانيات. وبدون هذا النقد لا يفهم العقل السليم من العقل السقيم، ولا الكلام الصحيح من الخطأ؛ فالنقد «التحليلي» يعتبر البلاغات نتيجة من نتائج العقول والقرائح، ويبحث عن الصلة بين الكتاب والشعراء وبين حركاتهم العقلية، والمؤثرات التي دعت إلى ذلك، وذلك لا يظهر كثيرا في الشعر الوجداني المبني على الخيال الصرف.