نحن لا ندعي القدرة على القيام بهذا العمل الخطير؛ لأنا نعتقد أن أمامنا من الصعوبات في سبيل ذلك ما لا يذلله إلا طول البحث والمثابرة على الدرس، وذلك لا يكون إلا بعد زمن طويل، وهو ما نرجو أن نصل إليه إن شاء الله في المستقبل، وليس من غرضنا أن نأتي في دراستنا بسلسلة من الشعراء والكتاب، نتبعها بشيء من تراجمهم والمختار من كلامهم. ذلك لا يعنينا الآن؛ إذ من السهل أن يقف الإنسان على ترجمة الشاعر أو الكاتب، ويعرف شيئا عن حياته الأدبية. وإنما غرضنا البحث عن روح اللغة العربية كما يقولون، وحل ما بها من الشعر والنثر حلا نفسيا، والبحث عن صلة ذلك بالاجتماع، وعن المؤثرات التي أحدثت في نفس الشاعر أو الكاتب ميلا خاصا إلى هذا النوع من البلاغة، ثم صلة ذلك بمواهب الكاتب الفطرية، وقيمة ما عنده من فنون البلاغة وضروب التعبير المختلفة، وما له من الشخصية؛ أي الابتكار والإبداع في ذلك. وهذا يستلزم استيعاب ما كتبه الكاتب أو الشاعر بالقراءة والدرس قراءة دقيقة، خالية من الميول والأهواء الشخصية بقدر الإمكان.
ومن شروط النقد الصحيح أن يبتعد الإنسان عن أهوائه وميوله عندما يقرأ كاتبا أو شاعرا يريد أن يفهمه كما هو، ولا بد أن يتخلى أيضا عن أذواقه الخاصة؛ لأن الاستسلام إلى ذوق الشخص ينافي طريقة النقد الصحيح. هذه الطريقة - طريقة تخلي القارئ عن ذوقه الخاص وعن المؤثرات التي تحيط به - تجعله يفهم الكاتب بذوق الكاتب، ويفهم الشاعر بنفس الشاعر التي قال بها شعره. ولا بد من وضع القارئ نفسه في الظروف والأحوال التي أحاطت بالكاتب وقت كتابته. هذه الطريقة هي التي تمكن القارئ أو الناقد من فهم روح الكتابة، ولا بد من أن ينسى الإنسان نفسه بين صفحات الكتاب الذي يريد أن يقرأه. فإذا انتهى من تحليل الكتابة وفهمها على طريقة الكاتب نفسه، رجع إلى معلوماته الشخصية وإلى ذوقه الشخصي، وإلى ما اكتسبه من النقد بالتجربة والدرس في الحكم على المؤلف.
يظن أهل العلم - ونريد بأهل العلم المشتغلين بالرياضيات، والطبعيات، وعلم النبات والحيوان - يظن بعض هؤلاء أن الأدب من الكماليات، ويقولون كان أفضل وأنفع لوفاق الاهتمام بالعلوم الاهتمام بالآداب؛ لأن من قسم العلوم كان يكون لنا المهندس والكيميائي والنباتي، والطبيب والصيدلي، وغيرهم ممن يفيد الاجتماع والأفراد أكثر مما يفيده الكاتب والشاعر والخطيب أو المؤرخ والفيلسوف، وفاتهم أن الإنسان كان شاعرا قبل أن يكون عالما، وكاتبا وخطيبا قبل أن تصل نفسه إلى درك العلوم وفهمها؛ لأنه أول ما نطق أمكنه أن يعبر عما يجول بخاطره من حزن وفرح ولذة وألم، وأن الأدب للنفوس أشبه بالجهاز التنفسي للجسم. ولكن فهم الأدب بهذا النوع جاءنا من أن آدابنا أكثرها مبني على الخيال والاستعارة والتشبيه، وهو - على رأي أدبائنا - أفضل الأدب وأبلغه، ولا شك في أن هذا ضرب من الكماليات. أما الأدب من حيث إنه لسان النفوس، وترجمان العواطف، وصورة الاجتماع، وصحيفة من صحف التاريخ، فهو من الضروريات لتهذيب النفوس، ومعرفة ما في طبيعة الإنسان من الأمراض النفسية والاجتماعية؛ بهذا قد يصلح الأدب ما لا يصلحه الطبيب، ويفعل الكلام ما لا يفعل الحسام، و«إن من البيان لسحرا.»
والأدب معرض عام لأفكار الإنسان، ومسرح لأنواع العقول المختلفة، تجد فيه الفيلسوف ينظر إلى العالم نظر المفكر، يشفق عليه تارة، ويسخر منه أخرى، ويرشده مرة ويضله أحيانا، وتجد فيه الاجتماعي يبحث في الاجتماع وعلله، وينتحل لنفسه حق الزعامة وحق الحكم على نظام العالم، وتجد فيه العالم والطبيب، والمتدين والملحد، كل يعرض مذهبه وطرق بحثه، وتجد فيه الشاعر الخيالي، يصور الحق باطلا والباطل حقا، ويؤثر في النفس فيسعدها أو يشقيها، ويصور اليأس جحيما والأمل جنة ونعيما؛ والأدب يجد فيه كل إنسان طلبته، فهو صحيفة عامة من صحف الكون.