وفي الحق إن جناية البلاغة على الأخلاق قد يكون خطرها عظيما. ولكن لا بد من الفرق بين الفنون وتقويم الأخلاق؛ إذ ليس من غرض الفنون تقويم الأخلاق لأنها تقصد إلى إظهار الجمال بأي شكل كان، وعلى أي طريقة كانت، وعلى كتب الأخلاق تقويم النفوس وتربيتها، وإلا لو أخذنا على البلاغات ما فيها من ضروب الغزل والمجون؛ لوجب أن نحذف منها نحو نصفها. وهل نجد الآن قصة أو رواية تمثيلية بدون أن يكون للحب فيها أثر كبير؟ ذلك لأن تحريك هذه العاطفة من أكبر الدواعي لحمل الناس على القراءة ودرس أفكار الكاتب وأغراض الكتابة، كما رأى ذلك ابن قتيبة في مقدمة «الشعر والشعراء» إذ قال: «لأن النسيب قريب من النفوس، لايط بالقلوب؛ لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل، وإلف النساء، فليس يكاد يخلو أحد من أن يكون متعلقا منه بسبب، وضاربا فيه بسهم حلال أو حرام.»
يقول الفقهاء: لا حياء في الدين. ويلزم أن يقول الأدباء والكتاب والشعراء والفنيون: لا حياء في الفنون. كما يجب أن يقول العلماء: لا حياء في العلم؛ فإن الله - تعالى - خلق الإنسان وخلق له أنواع الجمال يتمتع بها، وتوحى إليه من الأفكار والخيالات ما قد يساعد على عبقريته، كما أنه خلق له الخير والشر، ووهب له عقلا يميز به الخبيث من الطيب، وترك له الحرية المطلقة في اتباع الطريقين، وبين له سوء العاقبة وحسن المآب، فكما أن العلم والفلسفة يبحثان عن حقائق الأشياء بأي وسيلة، كذلك الفنون الجميلة تبحث عن إظهار الجمال بأي وسيلة، وأي طريقة كانت؛ لأنها سر من أسرار الحياة، وسبب من أسباب ترقية العواطف والنفوس؛ إذ النفوس التي لا تعشق الجمال ينقصها كثير من فهم الحياة؛ لأنها لا تدرك ما يحيط بها من جمال الكون الذي هو أبدع شيء في الوجود.
لا بد أن تكون الحياة ككتاب مفتوح أمام كل إنسان بما فيه من: جمال وقبح، وفضيلة ورذيلة؛ لأن الله - تعالى - خلقه لننظر إليه ونفهمه ونتدبر ما فيه ونتعظ به. فتبعة البلاغة راجعة إلى نفس الجمهور وإلى القارئين أنفسهم؛ لأن القارئ كمتعلم يصرف وقته في معمل كيميائي؛ ليفيد ويستفيد، وليقف على أسرار ما لديه. فإن استعمل المواد الكيميائية لقتل نفسه، فقد «جنت على نفسها براقش.» والكاتب كالعالم يظهر نتيجة تجربته في الحياة وما رآه وفهمه، وعلى القارئ أن يستفيد ويميز بنفسه الضار والنافع،
1
على أن كل كاتب له خيال خاص، وطريقة خاصة، وله أفكار خاصة تجد لها من القراء من يميل إليها بطبيعته؛ فكل نفس تقبل ما يوافقها وترغب فيما تميل إليه. فالقصة التي تعرض صورة من صور الحب قد تضل نفوسا، وقد تفتح على بعض الناس أبوابا من الفجور لم يكونوا يعرفونها، كما أنها قد توحي إلى بعض النفوس حب الجمال ورقة الشعور، وتهذيب العواطف؛ لأن الرجل الحساس صاحب الشعور الرقيق والنفس الشريفة والأخلاق الكريمة، يهذبه الحب، ويرشده الغرام إلى الفضيلة، وكثيرا ما كان الحب سببا في إصلاح النفوس. ولكن لكل إنسان استعدادا خاصا في تصور الأشياء وفهمها. وعلى هذا الاستعداد تكون حظوته من السعادة والشقاء تقوده إليها نفسه، وترشده إليها فطرته. غير أنه لا يلزم قراءة هذه الكتب للعمل بما فيها، كما تقرأ كتب الأخلاق وكتب الدين مثلا، وإنما تقرأ لدراسة موضوعاتها، ومعرفة ما بها من الآراء وأسرار البلاغة والفصاحة.
في قراءة الكتب عاملان: عامل التأثير، وعامل الإفادة. والثاني أكثر أثرا وأبقى، فإن ما يبقى في نفس القارئ من المعلومات التي اكتسبها من القراءة أنفع وأثبت. أما التأثرات والانفعالات التي منشؤها العواطف فإنها سرعان ما تزول، فالكاتب الذي يصف مجلسا من مجالس الخمر، ليس عليه أدنى تبعة إذا قام إنسان بعد قراءة كلامه فشرب كأسا أو كأسين، كما أن الخلقي ليس في قدرته أن يحمل الناس على اتباع ما يقول؛ ولذلك قيل «إنه من الواجب علينا بث النصائح والإرشادات. ولكن ليس علينا حمل الناس على العمل بها.» ولو كان للبلاغة الأثر الذي يدعو إلى العمل بما فيها لكانت كتب الأخلاق كافية في إصلاح النفوس. فلماذا يكون وصف المجون سببا في فساد الأخلاق والاجتماع؟ ولو صح حذف كل ما من شأنه أن يفسد الأخلاق، أو يؤثر فيها أثرا سيئا؛ لوجب على الإنسان أن يصم أذنيه ويغمض عينيه، حتى لا يرى ولا يسمع نصف المخلوقات أو أكثر، ولعمل على عدم فهم كثير من الأمور التي يراها كل يوم أمامه في الحياة.