ولا تضعفْ أمامَ النّوائب، أو تنهزم أمام الهموم، فإنّ الطّريق جِدُّ طويلةٌ، لا مسلكَ فيها للضّعفاء، وإنّما هي وقفٌ للّذين أبرموا ميثاقَهم مع الله فاشترى منهم أرواحَهم بأنَّ لهم الجنّة، واعلمْ أنّ سلعةَ الله غالية، فإذا أردتَ الحسناءَ فأَدْلِ بمهرِك، وكنْ دائماً (كالنّسر المخلوقِ لطبقاتِ الجوِّ العليا، ويحملُ دائماً من أجلِ هذه الطّبقاتِ ثقلَ جناحيهِ العظيمين).
فإذا أدركتَ جوهر حقيقتك في هذا الوجود، وعرفتَ فحوى رسالتِكَ في هذه الحياة، هانتْ عليك كلُّ مصيبة، واضمحلّتْ أمامَ سرايا إيمانكَ جيوشُ النّوائب، ووقفتَ نفسَكَ لله.
(إنَّ الخلاصَ عن طريقِ الصّومعةِ سهلٌ يسير، ولكنَّ الإسلامَ لا يريدُه، لأنَّ الخلافةَ في الأرض والقيادةَ للبشرِ طرفٌ من المنهجِ الإلهيِّ للخلاص، إنّهُ طريقٌ أشقّ، ولكنّهُ هو الذي يحقّقُ إنسانيّةَ الإنسان، أي انتصارَ النّفحةِ العلويّة في مكانه وهذا هو الانطلاق، انطلاق الرّوحِ إلى مصدرها الإلهيِّ، وتحقيقُ حقيقتها العلويّة، وهي تعملُ في الميدان الذي اختاره لها خالقُها الكريم).
أيّها المسلم: إنّ مصدرَ قوّتك هو إيمانُكَ الصّادقُ بالله، ومنبعَ ثقتك بنفسك هو ثقتُكَ بالله، فإذا آمنتَ بهِ حقّاً أذكى فيكَ الإيمانُ نارَ القوّةِ الكاملة، وطافَ بك أطوارَ الجلالِ الرّفيع، وسلكَ بك مسالكَ الجمالِ البديع، فتعودُ بعدَ هذه الرّحلةِ بقلبٍ حُرٍّ وثّابْ، بريءٍ من الأغيارِ وعبدٍ للملكِ الوهّابْ.
وَاعلمْ أنّكَ (إذا آمنتَ لمْ ترجِعْ بمقدارِ نفسِكَ، ولكن بمقدارِ القوّةِ الّتي أنتَ بها مؤمن).
أيّها المسلم: كلَّ يومٍ تتَفتّقُ ملايينُ الأزهارِ من أكمامها لتقولَ لك: هكذا انطلقْ، وتبعثُ بأريجِها في مسالكِ الحياةِ والأرضِ لتقولَ لكَ: هكذا انتشِرْ، وتنشرُ من طيبِها أطيبَهُ لتقولَ لك: هكذا كُن.
يقظةُ الذّاتِ لا أراها بِدَيرٍ --- لا وَلا تُجتَلى لَدى المحرابِ
إِنْ تَضِقْ بالجهادِ في الأرضِ ذرعاً --- فحرامٌ مسراكَ فوقَ السّحاب
ليسَ مِن خيفةِ المماتِ نجاةٌ --- إِنْ ترَ الذّاتَ هيكلاً من ترابِ
أيّها المسلم: ستتعبُ كثيراً كثيراً، وسترمِيكَ طوائفُ الأرضِ بالحجارةِ ... . ولكنْ لا بأسَ، فعمّا قريبٍ ستركبُ بُراقَ الرِّضا والقَبول، فَوَطِّنْ قلبَكَ في بيتِ الإيمان، ووثِّقْ أقفالَهُ بالصّبرِ والمصابرة، وحقِّقْ أركانَهُ بالحبِّ فإنَّ الله مانِعُك.
وارتفاعُ الإنسانِ من ثقلِ الأرضِ ... بروحٍ إلى السماءِ جلالُ وعلى الحرِّ أنْ يُغِذَّ طموحَ الـ ... . عزمِ سَعياً لِتُدركَ الآمالُ أيّها المسلم: إذا نامتْ عيناكَ فلا ينامنّ قلبُك، فالعالَمُ بانتظارك، فأنتَ السِّراجُ الّذي يهَبُهُ نوراً يمشي به، فإذا نقصَ زيتُ سراجك فخذْ من إيمانكَ بالله وَقوداً جديداً وانطلقْ، وانظرْ إلى ذاتِكَ فاخترْ لها منزلاً مباركاً في الوجود:
فإذا تبيّنَ مسلمٌ في ذاتِهِ شرفَ المكانةْ أَخلقْ بهِ في الدّهرِ أنْ يختارَ في الدُّنيا مكانَهْ أيّها المسلم: ألا ترى انبعاثَ القطرِ من قلبِ السّحاب؟ وانطلاقَ البرعمِ من قلبِ الحجر؟ وجريَ الجدولِ الفراتِ من رحمِ التّراب في أعلى الجبل؟ وتفتّقَ الأزهار من أكمامها بعد اختباء؟!! كنْ مثلَ هذا وذاك، يكنْ لك العالمُ عبداً مطيعاً!!!
وكُنْ مع اللهِ ولله، حينَها تقول للشّيء كنْ فيكون:
ومعدِنُهُ ترابيٌّ ولكنْ --- جَرَتْ في لفظهِ لغةُ السّماءِ