وكان كتاب سيبويه منذ تأليفه موضعا لمراجعة العلماء، منهم من يشرحه ومنهم من ينظم ترتيب أبوابه، ومن هؤلاء ابن السراج الذي ألف كتاب الأصول، وقد جمع فيه أصول علم العربية، وأخذ مسائل سيبويه، ورتبها أحسن ترتيب، كما أنه شرح كتاب سيبويه.
وممن شرح كتاب سيبويه أيضا سعيد بن المرزبان، والأخفش الصغير أبو سعيد السيرافي، كما قام بشرح شواهده يوسف بن سليمان الشنتمري.
ولم يقف كتاب سيبويه عند حدود المشرق، بل جاز البحر إلى بلاد الأندلس، وقد عقد الأستاذ الرافعي في كتابه تاريخ آداب العرب فصلا تحدث فيه عن كتاب سيبويه في الأندلس، فذكر أن أقدم ما وقف عليه ممن حفظ كتاب سيبويه هناك هو حمدون النحوي، المتوفى بعد المائتين، ثم ذكر من شهر بحفظ الكتاب وتدريسه وشرحه والتعليق عليه، مما يدل على ما لاقاه هذا الكتاب في الأندلس من الإجلال وحسن التقدير تقديرا لا يقل عن تقدير أهل المشرق له إن لم يزد، حتى كانوا يتنافسون في حفظه عن ظهر قلب، وقد قام بعضهم باختصاره للطلبة المبتدئين، ومن أشهرهم أبو حيان في القرن الثامن. (11) ما أخذه العلماء على سيبويه
قال ثعلب: يقول سيبويه في كتابه في غير نسخة: «حاشا حرف يخفض ما بعده، كما تخفض حتى، وفيها معنى الاستثناء»، وقد رد عليه الزجاج بأن ذلك في كتابه، وهو صحيح ذهب في التذكير إلى الحرف، وفي التأنيث إلى الكلمة، قال ثعلب: والأجود أن يحمل الكلام على وجه واحد، فرد عليه الزجاج بأن كلا جيد، قال الله تعالى: «ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا»، وقرئ:
وتعمل صالحا ، وقال عز وجل:
ومنهم من يستمعون إليك
ذهب إلى المعنى، ثم قال:
ومنهم من ينظر إليك
ذهب إلى اللفظ، وليس لقائل أن يقول: لو حمل الكلام على وجه واحد في الاثنين كان أجود؛ لأن كلا جيد.
أما الفراء فكان يقول: إن سيبويه لا يدري حد التعجب. ولقد رجعت إلى الكتاب فلم أجد سيبويه قد استوفى حقا أبواب التعجب وفروعه المختلفة.
وأما المبرد، فيقول الأستاذ الرافعي: إنه أفرد كتابا في القدح في كتاب سيبويه والغض منه، ولم أطلع على هذا الكتاب الذي وضعه المبرد، ولم أعرف النقط التي خالفه فيها، ولكن ياقوتا في معجمه ذكر أن عبيد الله القصري ألف كتابا سماه: الانتصار لسيبويه على أبي العباس في كتاب الغلط.
وذكر الأستاذ «جورجي زيدان» أن أبا بكر الزبيدي ألف كتابا سماه: كتاب الاستدراك على كتاب سيبويه، انتقد فيه مواد هامة، وطبع في روما سنة 1890م بعناية الأستاذ «جويدي» المستشرق الإيطالي. (12) رأينا في الكتاب (1)
الكتاب في نظرنا مرجع من المراجع، نعود إليه عندما نؤلف كتابا في القواعد العربية. (2)
وهو صورة لآخر ما وصل إليه التقدم العلمي في النحو في أواخر القرن الثاني الهجري؛ لأن الكتاب - كما قلنا - ثمرة لهذه الجهود المتصلة في تلك المادة منذ بدأها أبو الأسود. (3)
وهو صورة أيضا لما كانت عليه دراسة النحو في ذلك الحين، من التعليل والقياس والاستنباط والتفريع واستيعاب الفروض. (4)
وفي رأيي كذلك أن كتاب سيبويه كان الكتاب الأول والأخير في النحو، فالكتاب سجل لقواعد النحو، وقف العلماء عندها، ولم يزيدوا عليها، وكل من جاء بعده جعل الكتاب أساس دراسته ووقف عند حد الشرح أو الاختصار، ولم يزد المتأخرون على كتاب سيبويه إلا أن وضعوا الاصطلاحات التي كانت تنقصه - كما ذكرنا - وإلا أن رتبوا أبواب القواعد ترتيبا جديدا، فالطبقة التي تلت كتاب سيبويه كانت طبقة الشرح والتكميل والتنظيم، ثم جاءت طبقة أخرى اكتفت في القواعد بذكرها من غير أن تقرنها بعللها وأسبابها، وظل الأمر يتدرج حتى انتهى إلى هذه المختصرات أو المتون التي احتاجت إلى شروح مطولة، ثم احتاجت الشروح إلى حواش وتقريرات مصدرها في كتاب سيبويه. (5)