فيتوجه أن يقال : إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات ، ويسقط عنها ما تعجز عنه ، فتطوف ، وينبغي أن تغتسل - وإن كانت حائضا - كما تغتسل للإحرام ، وأولى . وتستثفر كما تستثفر المستحاضة ، وأولى وذلك لوجوه :
أحدها : أن هذه لا يمكن فيها إلا أحد أمور خمسة : إما أن يقال : تقيم حتى تطهر وتطوف ، وإن لم يمكن لها نفقة ولا مكان تأوى إليه بمكة ، وإن لم يمكنها الرجوع إلى بلدها ، وإن حصل لها بالمقام بمكة من يستكرهها على الفاحشة ، فيأخذ مالها إن كان معها مال .
وإما أن يقال : بل ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقى من إحرامها ، إلى أن يمكنها الرجوع ، وإن لم يمكنها بقيت محرمة إلى أن تموت .
وإما أن يقال : بل تتحلل كما يتحلل المحصر ، ويبقى تمام الحج فرضاً عليها تعود إليه كالمحصر عن البيت مطلقاً ، لعذر ، فإنه يتحلل من إحرامه ، ولكن لم يسقط الفرض عنه بل هو باق في ذمته باتفاق العلماء ، ولو كان قد أحرم بتطوع من حج أو عمرة ، فأحصر فهل عليه قضاؤه ؟ على قولين مشهورين هما روايتان عن أحمد : اشهرهما عنه أنه لا قضاء عليه ، وهو قول مالك والشافعي .
والثاني : عليه القضاء وهو قول أبي حنيفة ، وكل من الفريقين احتج بعمرة القضية هؤلاء قالوا : قضاها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأولئك قالوا : لم يقضها المحصرون معه ، فإنهم كانوا اكثر من ألف وأربعمائة ، والذين اعتمروا معه عمرة القضية في العام القابل كانوا دون ذلك بكثير ، وقالوا : سميت عمرة القضية ؛ لأنه قاضى عليها المشركين ، لا لكونه قضاها ، وإنما كانت عمرة قائمة بنفسها .