تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة، كما نبين لك بعد أن شاء الله سبحانه وتعالى، وبه التوفيق لارب سواه." (1)

وقد رأينا في مصر أنّ فقدان العصبية بين المعارضين، وتشتت أغراضهم بين علمانيّ وإخوانيّ وعاميّ لا وجهة له، قد أفشلت الحراك في 2011. ورغم أنّ الإخوان قد لجئوا إلى عصبية الجماعة، إلا إنهم لم يعززوها بما هو لازم لها من القوة، فلم تجدي عنهم شيئاً. بينما لجأ العسكر إلى العصبية العسكرية المتلائمة في غرضها، الحائزة على القوة، فتغلب، على باطله.

يقول بن خلدون "في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم وهذا لما قدمناه من أن كل أمر تحمل عليه الكافة فلا بد له من العصبية.

وفي الحديث الصحيح كما مر "ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه " وإذا كان هذا في الأنبياء وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم ألا تخرق له العادة في الغلب بغير عصبية." (2)

كما رأينا أن الحِراك في العراق، لم يثمر حقا إلا بعد تدخل قوى العشائر والقبائل في أوائل شعبان 1435، إلى جانب التنظيم البغدادي الحروريّ، مما أتاح هذا الاكتساح السريع للرافضة الأنجاس.

ونعود قليلاً إلى ما سبق أن لمحنا إليه من معنى العصبية لتكتمل الصورة. قلنا:

"فالعصبية تجمع عنصرين، أولهما المُتَعَصّب له، والمُتَعَصِّبون. والأول، المُتَعَصّب له، قد يكون فرداً أو فكرة، والمُتَعَصِّبون هم من يقفون وراء الفرد أو الفكرة، بقوة قادرة على حمايته أو حمايتها من أعدائهما". وغالباً ما يكون الفرد المُتَعَصّب له حاملاً لفكرة، إذ يصعب أن يكون فرداً لذاته محل تعصبٍ دون سبب، فالملوك تقف خلفهم فكرة الولاء والانتماء والإحساس بالذات المتميزة عن الغير عند الرعية، ورؤوس القبائل تقرب من هذه الفكرة في العصبية، والأنبياء يحملون الفكرة الدينية، التي ترتبط بخصم ارتباطاً عضوياً محكماً. وقد تكون الفكرة أبرز من الفرد كما في حالة الفاشية والنازية، التي استعمل فيها هتلر وموسليني "الفكرة" أحسن استخدامٍ لتوظيف العصبية. ولذلك، نرى أنّ الجامعة العسكرية لا يمكن أن تكوّن عصبية ناجحة مستمرة، دون فكرة من ورائها. وهذا ما يميز كلب الروم السيسي عن الهالك عبد الناصر، فالأخير هذا قد سخّر فكرة القومة العربية من ورائه، فاكتسب الشعبية الجارفة مدة خمسة عشر عاماً، حتى بعد هزيمته النكراء في 67 ظلّ المتعصبون له على ولائهم، من باب التصاقهم بالفكرة التي يمثلها في عقولهم. والأول الأنكد، ليس من ورائه إلا قبضة عسكرية تضرب بلا تعقل أو تفكير في مآلات، ومن ثمّ فإن حياتها دائما سترتبط بقوة هذه القبضة، ولن ترتبط بشخصه يوما إذ لا يحمل فكراً ولا وطنية تجمع من حوله العصبة اللازمة للبقاء. والعسكر كانوا، وسيظلوا على ولاء لمن يدفع لهم، لا لغيره.

تكملة: هل تقوم "الدولة" دون عصبية؟

وقد رأينا أنّ العصبية الدينية قد لعبت دورها ابتداءً في إقامة ممالك آل سعود وآل الحسين في الجزيرة العربية، حيث اعتمد الأولون على مرجعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب حتى نالوا الملك وعززوه، ثم حولوها إلى عصبية قبلية عائلية، فصلوا

(1) - مقدمة بن خلدون بتحقيق د على عبد الواحد وافي، ج 2 ص 526، طبعة نهضة مصر.

(2) - المرجع السابق ص 528

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٦٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٦٧٠