تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم ... ولا سُراة إذا جُهَّالهم سادوا

لكنّ أمر تنصيب إمام للمسلمين اليوم، بات أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد. بل تواجهه إشكاليات لا حصر لها، عملياً وواقعياً. وما ذلك لعدم وجود من تتحقق فيه الشروط الشرعية التي عدّها الفقهاء القدامى، بل لعدم وجود الشروط التي يمكن فيها وبها تعيين هذا الإمام، وتنصيبه واقعاً لا وهماً ولا خيالاً، وانتفاء الموانع التي تمنع من ذلك، وهي أكثر من أن تُحصى.

فإنه قبل أن يُنصّب إمام لإمامة، ونعنى بها الإمامة العظمي، التي تعم كافة أقطار الإسلام، وتُلزم بسطوتها كافة المسلمين، يجب أن يكون هناك مسلمون يلتزمون بها، ومكانٌ محصّنٌ تقع فيه. وهم، إن واصلنا الحديث عن مكونات "التمكين":

المُمَكّن فيه، وهي الأرض التي يُمَكّن للإمام عليها، دون منازعة.

والمُمَكِّنون وهم "أهل الحل والعقد" من بين جموع المسلمين الراضين بهم، ومن ثم، بما يقررونه.

وهؤلاء المُمَكِّنون يجب أن يكون لهم السطوة الشرعية على من يُطلب منهم البيعة لذاك الإمام الذي اختاروه. أمّا أن يختار جمعٌ من الناس، يعتقدون، أو يعتقد من اختارهم من حملة السلاح، أنهم أهل حلّ وعقد، في محلة، فينصبون أحداً، ثم يطلبون من كافة المسلمين القبول به، فهذا استدعاء للفتنة، بل هي الفتنة بعينها.

وقد رأينا ما يمكن أن يحدث حين يستبدل الخارجون عن منهج أهل السنة جمعاً لا هنا ولا هنالك بأهل الحلّ والعقد في تصورهم الصحيح المؤدى لجمع الشمل لا لتفرقته،. ثم كيف إنّهم خرجوا على مشايخهم ومعلميهم، الذين هم أصلح ما يكونوا اتصافاً بأهل الحلّ والعقد، كالمقدسي وأبي قتادة والسباعي والعلوان والحدوشي وغيرهم كثير من أهل الفضل في بلاد المسلمين، فاختاروا لأنفسهم، وأهل حلهم وعقدهم طلبة علم، أو أقل من ذلك، كالعدناني والبنعلي، ومن ليس لهم في عالم الشريعة ناقة ولا جمل، إلا التتلمذ على أيدى هؤلاء الأفاضل، ولا قيمة لهم، احترما وتبجيلاً إلا بين حاملي السلاح من جماعتهم ثم عدد من الناس لا يعلم بحالهم إلا الله، في بلدة من بلاد العراق، فإذا، بقدرة قادرٍ، هم أهل الحلّ والعقد الذين تسري كلمتهم على مسلمي الدنيا، ويُقتل من يخالف اختيارهم!

وقد ذكرنا أنّ كافة الممالك والأراضي التي يعيش عليها "مسلمون" اليوم، ليس فيها تمكين، لا لإمام ولا لإسلام.

بل المسلمون (1) فيها عبيد خاضعون لأحكامٍ لا يرضونها ولا يؤمنون بها، بل يسجنون ويقتلون ويعذبون إن طالبوا بتمكينها. ثم إن كافة المسلمين، الذين نجوا بعقيدتهم من كفر العلمانية، أو الإلحاد، هم شتات في البلاد. والعلماء الذين يثقون بهم، ويمكن أن يكون لهم السطوة الشرعية على غالبهم، هم إما في السجون أو مكممي الأفواه في بلادهم، أو هاربون إلى الغرب. وهو موقف يستدعى تطويراً لمواجهة هذه المسألة، نتعرض له في القسم الثالث إن شاء الله "الإطروحات".

أمّا إمارة الجهاد، فهذا أمرٌ قد سار عليه الناس منذ نشأة الحركة الجهادية في أنحاء الدنيا، لا غضاضة فيه، بل ثابت بالسنة والقياس. ويجب فيه مراعاة التسلسل التنظيميّ، حتى لا ترتبك الأمور. كما حدث حين نزع البغداديّ يداً من طاعة للشيخ الفاضل أيمن الظواهري.

وتبرز من الشروط السبعة التي ذكرها العلماء، أبدع في تحقيقها الجويني، حيث قال، متحدثاً عن صفات الاستقلال المكتسبة ولواحقها "توقد الرأي في عظائم الأمور، والنظر في مغبات العواقب، وهذه الصفة ينتجها نحيزة العقل ويهذبها

(1) - وأقصد بالمسلمين أولئك الرهط الذي لا يزال على التوحيد، ومحبة الله ورسوله، لا شعب السيسي على سبيل المثال.

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٤٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٤٥٥