parody )، وليس ما يمنع أن يستعين المرء بصورة هزلية كاريكاتورية للرأي الذي سوف يتناوله بالتحليل والنقد، ما دام يعلن ذلك إعلانا ويسلم بأن هذا ليس رأي الخصم على وجه الدقة، ولكنه كاريكاتور فيه تضخيم لعيوب دقيقة ربما تلطف على ملاحظة القارئ العادي، إنه يقدمه على سبيل التوطئة؛ لكي لا يلبث أن يسدل عليه الستار دون طعن ويركز الضوء على هذه النقاط الدقيقة بحجمها الطبيعي وبكل الأمانة في التمثيل والطرح، في هذه الحالة يكون رجل القش تقنية بيداجوجية، أو وسيلة إيضاح مسعفة، تتغيا المزيد من الدقة في التمثيل، وتتبرأ من التحريف والتشويه ولي الحقائق. •••
ومهما يكن من شيء فإن مهاجمة خصم من القش بدلا من الخصم الحقيقي هي في أغلب الأحيان ضرب من الغش والجبن، وخروج عن الموضوع، ومضيعة للوقت والجهد، ومحاولة بائسة لإحراز انتصار رخيص، تنم بالأحرى عن افتقار إلى انتصارات حقيقية غير مختلقة، وتعطش إلى نجاحات واقعية غير موهومة.
كن رجلا إذن، ولا يكن ديدنك أن تنسج الدمى وتحشوها قشا وتوسعها لكما، متحاشيا بين ذلك التقاء الخصوم وبأس الرجال:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
كن محسنا لخصمك، واعرض حجته في أدق صورة وأقواها، ثم قوضها تكن قد فعلت شيئا يذكر.
الفصل التاسع عشر
| مغالطة التشييء
| Reification; hypostatization; substantialization of abstracta
ركبه التشييء،
فراح يفك محرك سيارته، بحثا عن العشرين حصانا
التي هي «قوة المحرك»! ***
أراد جحا أن يتزوج، فبنى دارا تتسع له ولأهله، وطلب من النجار أن يجعل خشب السقوف على أرض الحجرات ويجعل خشب الأرض على السقوف، فراجعه النجار دهشا، ولم يفهم ما يعنيه، قال جحا: «أما علمت يا هذا أن المرأة إذا دخلت مكانا جعلت عاليه سافله؟ اقلب هذا المكان الآن يعتدل بعد الزواج.»
1
في هذه النادرة الكوميدية «يشيئ» جحا تعبيرا بيانيا رائجا، ويحمل استعارة بريئة ما لا تحتمل ويأخذها بغير ما قصدت إليه، وفي هذه النادرة تضخيم كاريكاتوري لمغالطة شائعة نقع فيها جميعا، ربما كل يوم، ونبتلعها جميعا، ربما كل لحظة، حين تأتي في صورة أشد خفاء، وتكتسي برداء أكثر اعتيادا وإلفا. «التشييء» (الأقنمة)
reification/hypostatization
هو أن تعامل المجردات أو العلاقات كما لو كانت كيانات (كائنات) عينية
concrete entities ، أو أن تنسب وجودا حقيقيا للتصورات العقلية أو البناءات الذهنية.
لقد برع بنو الإنسان حقا في خلق تصورات مجردة ومفاهيم ذهنية تساعدهم على حصر الأشياء والأحداث، وتصنيفها واختزالها اختزالا يتيح لهم من الاقتصاد الذهني ما يمكنهم من الإحاطة بأشياء العالم وتناولها، غير أن المأساة تكمن في أن هذه العملية قد تجري أيضا في الاتجاه العكسي: أي معاملة التصور المجرد كما لو كان «شيئا» حقيقيا، حين يحدث ذلك نكون بإزاء مغالطة منطقية عتيدة مبيتة في صميم العقل البشري ذاته وفي طريقة أدائه لوظيفته.
لا غرو تعد «مغالطة التشييء»
reification
من أهم المغالطات وأكثرها شيوعا، وإن أنساقا فلسفية بكاملها، ومذاهب سياسية واجتماعية وأخلاقية، ونظريات علمية، لتقوم على هذه المغالطة الكبيرة وتتأسس عليها، وإذا كان للفلاسفة مطلق الحرية في أن يقرروا أي الأشياء يعد حقيقيا وأيها غير حقيقي، فليس من حقهم أن يرحلوا تشييآتهم إلى الحقول الأخرى من البحث ملحقين بها اضطرابا وخلطا كان منه بد ... يعج تاريخ العلم والاجتماع والسياسة، وحتى الرياضيات، بعثرات كبرى عطلت مساره حقبا، كنتيجة لإلحاح المفكرين في طلب «تعريفات حقيقية» تقرر ما «تكونه» الأشياء استنادا إلى «ما ينبغي أن تكونه» في تصورهم، وإنكار أصقاع كاملة من البحث بوصفها غير حقيقية أو غير صالحة.
للتشييء رغم ذلك مجاله الذي يستخدم فيه، عن قصد وإدراك، لخدمة الحقيقة والتعبير عن الواقع، ذلك هو المجال البياني البلاغي كما يتجلى في ألوان الاستعارة والمجاز والتشخيص، وهي وسائل لغوية شديدة الأهمية والجدوى في الأدب والشعر (بل في العلم نفسه في بعض الأحيان!) وبعيدة عن المغالطة بحكم طبيعة التعبير ذاته وموقفنا فيه ومأخذنا له، على ألا نمتد بتلك الاستعارات البريئة إلى غير مقصدها ونحملها على غير محملها.