وقد يميل المرء إلى «التنميط»
stereotyping
فيدمغ الخصم بصفات معينة تميز الجماعة أو الطائفة التي ينتمي إليها، بينما الخصم يرى رأيا يحيد كثيرا عن تلك الطائفة أو يذهب مذهبا يمثل جناحا معينا منها، والذي قد يختلف اختلافا مهما عن آراء الأجنحة الأخرى من نفس الطائفة. (3) رجل القش المتطرف
ويجري مجرى التبسيط أن ترمي الخصم بالتطرف وهو معتدل، وبالمطلقية وهو نسبي، والحق أن أمثل النماذج لرجل القش هو أن تهول من موقف الخصم وتزيحه من الأواسط إلى الأطراف، ذلك أن المواقف المتطرفة أسهل في التفنيد لأنها لا تسمح باستثناءات، انظر إلى هذا الطيف من المواقف:
كل «أ» هو «ب».
معظم «أ» هو «ب».
بعض «أ» هو «ب».
بعض «أ» ليس «ب».
معظم «أ» ليس «ب».
لا أحد من «أ» هو «ب».
الأطراف هنا هي: «كل «أ» هو «ب»»، «لا «أ» هو «ب»»، هذه المواقف هي الأيسر تفنيدا، ولا يلزم لتقويضها إلا «مثال مضاد»
counterexample
واحد، مثل هذه القضايا الكلية هي عادة كاذبة (ما لم تكن «أ» و«ب» مرتبطتين بالتعريف)، وذلك بحكم طبيعة العالم وتكوينه، وتزداد صعوبة هذه القضايا في التفنيد تدريجيا حتى تبلغ أوج الصعوبة في أوسطها: «بعض «أ» هو «ب»»، «بعض «أ» ليس «ب»»، فلكي تفند إحدى هاتين القضيتين يتعين عليك أن تثبت أحد الطرفين: «لا «أ» هو «ب»» أو «كل «أ» هو «ب»» على الترتيب، المتطرفون إذن هم القائلون بمذاهب تبدأ ب «كل» أو «لا أحد»، فالمتطرفون في قضية الإجهاض مثلا هو القائلون: «كل إجهاض مباح.» أو «كل إجهاض حرام.» من هنا دأبت مغالطة رجل القش على مهاجمة الأفكار أو الاتجاهات في صورتها المتطرفة حيث هي أضعف ما تكون .
قد يكون رأي الخصم «تعميما مقيدا» (أو مشروطا)
qualified generalization
فتأخذه أنت مأخذ «التعميم المطلق»
absolute generalization ؛ لكي تسهل على نفسك مهمة تفنيده بذكر مثال مضاد أو بضعة أمثلة، إنك إذن تقع في مغالطة «إغفال المقيدات»
secundum quid .
2
وقد يكون رأي الخصم معتدلا فتزيحه أنت إلى حافة الشطط والغلو التي كثيرا ما ينقلب عندها الرأي إلى مسخ غريب منفر (أو شيطان
demon ) هو أبعد ما يكون عن الموقف المتوازن الذي يتخذه الخصم: فينقلب «التحرر» مثلا إلى «تحلل»، أو ينقلب «التحفظ» إلى «تزمت»، أو ينقلب «الحزم» إلى «قسوة»، أو تنقلب «الحصافة» إلى «جبن» ... إلخ، يطلق على هذه العملية، أي عملية قلب الموقف المعتدل إلى موقف متطرف، اسم «شيطنة»
demonization (إضفاء الصبغة الشيطانية)، ويمكن بالتالي تسمية هذه المغالطة الفرعية اسم
straw demon (شيطان القش).
كان دور رجل القش تاريخيا هو أن يهول مخاطر التغيير! يذكرنا التاريخ أن بضعة من المفكرين والمصلحين يدعون إلى التحرر والتسامح قد تم سحقهم بفيالق جرارة من «رجال من القش» يدعون إلى الفوضى والإباحة وتدمير المجتمع ... إلخ، وكان دور رجل القش سياسيا، وما يزال، هو تأليب الرأي العام بالتعبير الخاطئ عن مواقف الخصوم السياسيين أو زعماء الأحزاب الأخرى. (4) كيف نحدد موقف الخصم الذي سنتناوله بالتفنيد
علينا، مثلما أوصى أرسطو من قبل، أن نمثل رأي الآخرين، تمثيلا أمينا وكاملا وجوهريا، ولن يتسنى ذلك إلا بأن نحدد قائمة التزامات الخصم بكاملها، تلك الالتزامات التي ألزم نفسه بها في الحوار، والمسجلة عليه كتابيا أو صوتيا من خلال أسئلته أو إقراراته التي طرحها طوال الحوار، المشكلة هنا مشكلة عملية: كيف يمكنك أن تثبت أن موقفا ما لخصم ما قد تم تحريفه في حالة معينة؟ الأمر هنا يتوقف على تأويل ما عناه الخصم بقوله، واستشفاف موقفه الحقيقي في مسألة معينة، وهي مهمة صعبة أحيانا بسبب تعدد التأويلات الممكنة.
من الأفضل بطبيعة الحال أن يتم التسجيل الدقيق لمجريات الحوار: صوتا وكتابة وشهودا؛ وذلك لتجنب عثرة «أنت قلت/لا لم أقل»، غير أنه ليس من الميسور في المجالات اليومية المعتادة أن نتجنب هذه العثرة، وذلك لقصور الذاكرة البشرية من جهة، ولتفاوت الفهم وتأويل الأقوال من جهة أخرى. (5) مبدأ الإحسان