تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حقا ... ليس بالحق وحده تكسب جدالا أو تقهر خصما أو تقنع الناس، من هنا يتبين لنا أهمية دراسة الحجة كما ترد في الحياة الحقيقية وتتجسد في اللغة العادية.

ذلك أن الحجة حين ترد في الواقع الحي لا تأتي مجردة مصفاة، ولا تكشف صيغتها المنطقية للمتلقي بسهولة وطواعية؛ إذن لكان تمحيصها أيسر عليه بما لا يحد، إنما تأتي الحجة دائما ممتزجة بلحم اللغة ودمها، متلفعة بانفعالات الناس وأعرافهم، مؤربة بتضاريس الواقع، وبشئون الناس وشجونها.

وما تشكل الصيغة المجردة للحجة (المقدمات المؤدية إلى نتائج) إلا لبا ضئيلا أو هيكلا نحيلا متواريا وراء طبقة كثيفة من الاعتبارات الدلالية

semantic

والتداولية

pragmatic

للغة،

3

ومن طبيعة الخصم وأيديولوجيته وسيكولوجيته، ومن مقام الحديث وسياق الجدل، ومن عواطف جمهور الحاضرين وانتماءاتهم وتحيزاتهم.

ونحن في مجال المنطق غير الصوري إنما ينصب جهدنا على هذه الطبقة الكثيفة التي تغلف اللب الصوري للحجة، نتلمسها ونتناولها بالتحليل والتفتيت، وننفذ منها إلى ذلك اللب الصوري المفترض. في مجال المغالطات، على سبيل المثال، يكون عملنا أشبه ب «أخذ صورة أشعة»

x-raying

للحجة المطروحة، عسانا نطلع على هيكلها الصوري المطمور، ونقدر نصيبه من الصواب والخطأ، ويكون معيارنا في ذلك هو المعيار المنطقي الصوري العتيد: صدق المقدمات وصواب الاستدلال، وكثيرا ما تجبهنا صورة الأشعة بغياب أي لب صوري وانعدام أي هيكل منطقي في الحجة! (2-1) أمثلة لعملية التجريد في المنطق غير الصوري

مثال 1

نقتبس هذا المثال من بين تلك «الحجج المندمجة»

coalescent arguments

التي أشار إليها ميشيل جلبرت، والتي تعبر في زعمه عن جملة من المواقف سئ والاعتقادات والمشاعر والحدوس التي تميز صاحب الحجة، فهذه طالبة جامعية تبكي في مكتب الأستاذ؛ كي تبثه قلقها للأهمية التي يوليها الأستاذ لحصول الطالب على درجة

A

في مادة معينة،

4

بوسعنا أن نؤول هذا على أنه «قياس مضمر»

enthymeme

5

تقديره:

إنه لمن أشد دواعي البؤس والجزع ألا أحصل على درجة

A . (مقدمة 1)

إن عليك ألا ترمي بي في حضيض البؤس والجزع. (مقدمة 2)

عليك، إذن، أن تمنحني درجة

A . (النتيجة)

ورغم أننا نسلم بأن هذه الحجة تندرج ضمن فئة «الحجج الانفعالية» التي تحدث عنها جلبرت، فليس ما يمنع أن نعاملها كغيرها من الحجج، فنفحص مقدماتها ونقيمها من حيث القبول والرفض، وننظر فيما إذا كانت النتيجة فيها تلزم عن المقدمات.

ولا يخفى على القارئ الآن أن المقدمة «2» فيها نظر! فالأستاذ، بعد كل شيء، يعمل بمرفق التعليم العالي وليس بمرفق الشئون الاجتماعية، إن عليه أن يعين الطالب ويدعمه بأن يقرب إليه مادته العلمية ويذلل قطفها، وليس بأي طريق آخر، والحجة من ثم تندرج في مغالطة «الاحتكام إلى الشفقة»

ad misericordiam .

مثال 2

هذا إعلان مصور عبارة عن رأس أسد يزأر مكتوب عليه «كينا بسليري الحديدية»، إذا تأملنا إعلانا كهذا وجدنا أنه لا يعدو أن يكون «استعارة بصرية»

visual metaphor

مفادها أن تناول كينا بسليري الحديدية بانتظام تجعل المرء قويا مفعما بالنشاط، وبالنظر إلى أنه إعلان تجاري فإن بوسعنا تأويله إلى «قياس مضمر» أيضا تقديره:

إذا تناولت كينا بسليري صرت قويا مفعما بالنشاط. (مقدمة 1)

النشاط والقوة أمران مرغوبان. (مقدمة 2)

إذن من المرغوب فيه أن تتناول كينا بسليري (تشتريها). (النتيجة)

فإذا ما أمعنا في التجريد خلصنا إلى الصورة التالية: «ق» تلزم عنها «ك»، «ك» مرغوبة؛

إذن «ق» مرغوبة.

وهو قياس مغلوط صوريا لأنه يقع في خطأ «إثبات التالي»

affirming the consequent ، بوسعنا تبيان خطأ هذا القياس بأمثلة كثيرة مثل: (1)

منع مباريات الكرة كفيل بمنع حوادث الشغب في الملاعب.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٣