تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

لا يعرف كيف يتخلص منها، وثانيا: لأنه عندئذ ينعزل بكلمة خاصة ليست في لغة هذا العلم التي يعرفها العلميون في الأقطار الأخرى ... وكلمات العلم أجنبية في جميع اللغات، وليس علينا حرج أن تكون كذلك أجنبية في لغتنا، بل إن رجال العلم الأوروبيين يأخذون كلمات المتوحشين حين تكون لها دلالة في الأنثروبولوجيا مثلا، كما نرى في كلمتي «طبو» و«طوطم».»

32 «والمصري الذي يتخصص في علم ما، يحتاج إلى متابعة الدراسة مدى حياته لهذا العلم، ولا غنى له عن كلمات هذا العلم التي يستعملها جميع المتخصصين فيه في القارات الخمس، وهو يفكر بهذه الكلمات، ومن التكليف المرهق أن نطالبه بترجمة هذه الكلمات إلى لغتنا؛ لأن كل ما نحتاج إليه أن نعرف هذه الكلمات وأن نصوغها في صيغة عربية إذا كنا سنؤلف بها في لغتنا الدارجة، أو لا نصوغها إذا كانت ستبقى مقصورة على المتخصصين.»

33

نستثني من ذلك بالطبع كل ما له في العربية أصل رائج راسخ غير ملتبس، ومن مناقب هذه النظرة إلى المصطلح أنها تعجل بالتعريب وتسد الطريق على الذين يشترطون توافر المصطلحات والكتب العربية قبل بدء التعريب، واضعين العربة أمام الحصان، بل مغلقين حلقة موبقة وفاتحين مجال التسويف إلى غير حد. يقول د. عبد الحافظ حلمي محمد، عضو المجمع اللغوي: «إن تعويق مسيرة التعريب تحت دعاوى استكمال المصطلحات، والتي تزيد يوما بعد يوم، لفرية سخيفة يراد لنا بها أن نوقف مسيرة التعريب، خاصة إذا علمنا أن نسبة الكلمات العلمية في المراجع العلمية محدودة؛ فهي في مراجع الطب على سبيل المثال لا تزيد عن 3,3٪، إن خير وسيلة لاستكمال مقومات تعريب التعليم هي الشروع فيه، دون تسويف أو توان.»

34

والدكتور خليل النعيمي خير من يؤخذ رأيه في قضية كهذه، والدكتور النعيمي طبيب وجراح سوري درس الطب في دمشق بالعربية ويعمل في فرنسا. يقول النعيمي: «عندما كنا نتعلم الطب في جامعة دمشق باللغة العربية لم يكن يخطر لنا أن اللغة التي تتفتح عليها مداركنا، والتي تملأ أرواحنا باشتقاقاتها البديعة يمكن أن تكون عائقا (كما يزعم بعضهم) أمام تطورنا العقلي والمهني فيما بعد (وهي لم تكن كذلك أبدا). وللحقيقة أؤكد، بعد هذه السنين من تخرجي، أن الفضل الأساسي الذي أحسبني مدينا به لأساتذتي الكرام، هو «فضل اللغة»: «لغة علمتني، وسمحت لي أن أعبر عما يدور في رأسي بلا تلعثم، لغة علمتني أن «القرحة» أسهل بالنسبة للعربي (طبيبا ومريضا) من (الألسر)

Ulcer ، وأن الشاعر العربي قال قديما:

ولي كبد مقروحة من يبيعني

بها كبدا ليست بذات قروح

وأن «العصب المبهم» أقرب إلينا من «لونير فاغ»

Vagus Nerve ، وأن «الخثرة» كذلك أقرب إلينا وأسهل استيعابا من «الترمبوز»

Thrombus ، وأن «الأبهر» أقرب إلى فهمنا من «الأورطة »

Aorta ، فهو أبهر لأنه الشريان الأساسي في الجسد، ولأن نزفه باهر ومخيف (الأبهر ألا يعبر الاسم نفسه، عن قوة العضو وطاقته؟!) وأن الوريد «الأجوف» أسهل على الفهم أيضا من «لا فين كاف»

Vena Cava ، إنه أجوف لأنه يستقبل كامل الدم تقريبا، ليوصله إلى القلب، إنه نوع من الجوف الوعائي الهائل، وهو أيضا غامض ومخيف لأنه «أجوف»، ومعروف أن إصابته من أخطر الإصابات الوعائية على الحياة وأصعبها إصلاحا. التعريب ليس دائما تخريبا، كما ترون، إنه على العكس سلاح إضافي بالنسبة للطبيب العربي (مثلا) لأن لغة الدراسة ولغة الممارسة هي نفسها، وإذا ما قرر أن يتخصص فإنه بالتأكيد سيكون قادرا على تخطي عوائق تعلم لغة جديدة (وبخاصة عندما يكون قد تعلم أثناء دراسته الجامعية المصطلحات الأساسية باللغة الأجنبية كما هي الحال في دمشق).»

35

يقول د. يحيى الرخاوي: «المسألة هي أن اللغة العربية تعلن عن، وتمثل، حضارة راسخة سجلت بلسان عربي، وظلت نفس اللغة قائمة كما هي بأقل قدر من التشويه، أرسخ من كل لغات العالم الحالية ... فهي تاريخ بشري قائم بيننا/فينا، وربما هو قادر على أن يلحق بنا ينبهنا ولعله يسعفنا ونحن نتشوه بلغات جزئية نشأت في ظروف حضارية مشكوك في بعض أوجه عطائها. ومسألة دراسة الطب بالعربية إن كانت مجرد ترجمة من لسان إلى لسان فلا فرق ولا مبرر ولا تغيير، أما إذا كانت الدعوة هي انطلاقا من اللغة العربية بما تعنيه من «كلية الحضور»، وفنية الترابط، ودفء العلاقات، والتناغم مع الطبيعة، فلا بد أن تختلف ممارسة الطب، عامة، من واقع العربية ليصبح أقرب إلى العلوم الإنسانية التي تستعمل مفردات العلم، وليس مجرد صيانة أجزاء إنسان لها عمرها الافتراضي لا أكثر ... وأهمية الطب بوجه خاص ليكون بلغة من يمارسه هو أن تاريخ هذا الفن يقول إنه كان دائما من علامات حضارة أي أمة، فتقدم الطب هو من أول النشاطات الدالة على نهضة أمة من الأمم، وهو يأتي في ذيل قائمة التدهور عند انحلال الأمم، أي أنه أول من ينشط تقدما وآخر ما يضمحل تدهورا، أفلا ينبهنا هذا إلى أهمية أن يكون بلغة قومه بأي ثمن؟»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٨٦