25
ليس من الحكمة أن نستهين بهذه المحاذير، ومن الحصافة أن نأخذها بعين الاعتبار وأن نتركها تتفاعل جدليا مع دعوى التعريب، فنخلص إلى جماع رأي أقرب إلى الرشد بسطه د. محمود محفوظ حين ألح على ضرورة إتقان اللغة الأجنبية و«التعلم» بها. يقول د. محفوظ: إن العلوم ثابتة الأصل تنتقل بلغة ناقلها ومستخدمها؛ فالطب في الصين باللغة الصينية وفي ألمانيا بالألمانية وفي فرنسا بالفرنسية، وهذا ما يعرف ب «التعليم»، إنما التقدم العلمي هو الذي يتطلب القدرة والتمكن من لغة أجنبية شائعة في ربوع المعرفة العلمية، فكما كانت العربية هي الشائعة في العصر الوسيط، واللاتينية في عصر النهضة، فإن الإنجليزية هي الشائعة في عالمنا المعاصر، وعن طريق التمكن من اللغة الأجنبية تأتي القدرة على استيعاب المعرفة والمعلومات، وسرعة نقلها من اللغة الأجنبية إلى اللغة الوطنية، وهو ما يعرف ب «التعلم». على ذلك يكون «التعليم» باللغة الأم، وأما «التعلم» والتقدم العلمي والتكنولوجي فيكون بالتمكن من اللغة الأجنبية نطقا وكتابة؛ لأن الاطلاع على المراجع الأجنبية لا يتحقق بغيرها.
26
ومن الحجج الرئيسية التي يستند إليها مناهضو التعريب ضخامة المادة العلمية الوافدة، والانفجار المعرفي، وسرعة تدفق المعلومات العلمية الجديدة وغزارتها، بحيث تجعل من المستحيل ملاحقتها واستيعابها باللغة الأم. والحق أن مقدمة (Premise)
هؤلاء، على صدقها، لا تفضي إلى النتيجة
Conclusion
التي خلصوا إليها، وربما كان العكس أقرب إلى الصواب! يقول د. نبيل علي، خبير المعلوماتية، «تزداد أهمية تعريب العلوم مع تضخم المادة العلمية، حيث تساعد اللغة الأم على زيادة معدل الاستيعاب ورسوخ المفاهيم.»
27 (بشرط تنشيط الترجمة بجميع مستوياتها وطرائقها).
ومن جانب آخر فإن اكتساب المتخصصين لمعارفهم بلغات أجنبية دون رابط من اللغة الأم، يجعل من الصعوبة بمكان إقامة حوار بينهم، وهو الوضع الذي يتناقض في جوهره مع تزايد النزعة الاندماجية لفروع العلوم المختلفة وانهيار كثير من الحواجز المنهجية التي تفصل بينها (وميلاد الكثير من الأفرع التكاملية البينية
Interdisciplinary
وتزايد أهميتها)، وهو ما أدى بدوره إلى الانتقال من تربية قائمة على التخصص الضيق إلى تربية تسعى إلى تنوع المعارف والمهارات. وقد جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2003 أن قضية تعريب التعليم العالي لم تعد قضية قومية فقط، وإنما باتت شرطا أساسيا لتنمية أدوات التفكير وتنمية القدرات الذهنية والملكات الإبداعية، فضلا عن استيعاب المعرفة المتسارعة المتجددة؛ لذا فإن عدم التسارع في تعريب العلوم يمثل عقبة أساسية في طريق إقامة جسور التواصل بين التخصصات العلمية المختلفة، ذلك أن اللغة هي «رابطة العقد» في منظومة المعرفة الإنسانية.
وكما تكون اللغة واسطة العقد أفقيا بين التخصصات المختلفة، فإنها واسطة العقد بين مختلف المستويات العاملة في التخصص الواحد: بين العامل والفني والتكنولوجي والمهندس، أو بين الفنيين الصحيين والممرضين والأطباء ... إلخ. (2-4) المصطلحات ليست مشكلة «ينغلق المصطلح على حاله ويتدرع بأقواسه؛ لكي يضمن ثباته في كل سياق، ويتفادى ما في اللغة الطبيعية من غموض وتلون وتحول وسيولة.»
الانفجار المعرفي إذن هو شيء أدعى إلى التعريب، يعزز من ذلك أن المصطلحات العلمية ليست هي المشكلة، فالمصطلحات هي:
قوالب لفظية متواضع عليها لكي تستوعب معاني محددة.
تنحو إلى التركيز والترميز لا إلى الحشو والإطناب المضادين للغة العلوم.
نوعية في دقتها وترميزها، أي من طراز رياضي.
تواضعية صرف، للعلماء كامل الحرية في وضعها.
لا يعدو المصطلح أن يكون عنوانا أو رمزا لفكرة شاملة أو صورة مملوءة بالتفاصيل التي لا يعبر عنها المعنى الحرفي إلا لماما، وقد يتجاوز المصطلح معناه الحرفي تماما، على أن خاصة التواضع فيه تحول دون الخلاف حوله ومن هنا قال القدماء: «لا مشاحة