Innovation
ويحدث هذا في الكلام الفعلي، وقد يقوم به فرد من الأفراد بإدخال عناصر جديدة في استعمال اللغة، والثانية هي مرحلة «انتشار التغير»
Dissemination
بأن تتداوله الجماعة فيما بينها، وإذا حدث ذلك أصبح التغير عنصرا من عناصر نظام اللغة، ما دام قد سمح له بالاستعمال العام بين الناطقين بها. فالتغير يبدأ أولا فرديا بما يدخله فرد أو أفراد على نظام اللغة من استعمالات جديدة، مما ينظر إليه أولا على أنه «مخالفة» (خطأ!) لما عليه الجماعة، فإذا قدر لهذه «المخالفات» (الأخطاء!) أن تلقى قبولا من غيرهم، فإنها تأخذ الطابع الاجتماعي العام، وتصبح القاعدة التي يتبعها كل الناطقين باللغة.
63
هذا تأويل قول يسبرسن عن بعض اللغويين: «إن تاريخ اللغة ليس سوى تاريخ الأخطاء اللغوية فيها.»
64
شرعية اللغة الشيوع.
ومن ثم فإن عبارة «خطأ مشهور» شأنها شأن «مربع مستدير» ... تناقض ذاتي! فإذا ما وجدت الخطأ المشهور أكثر جمالا ووضوحا وإبانة، فاعلم أن شهرته مشروعة مستحقة: الجمال، والوضوح، والإبانة. وماذا يكون «الصواب» أكثر من ذلك؟! «خطأ مشهور» هي ذاتها خطأ مشهور!
حين تشيع مجاوزة لغوية وتنشر رايتها على الألسنة، يتحول عنصرها وتتبدل صفتها وتأخذ رتبة «قاعدة»؛ قاعدة لها علينا كل ما للقاعدة من حقوق، وما كان لهذه «المخالفة» أن تبسط سلطانها لو لم تكن تقدم فكرا، وتحقق وصلا، وتسد فراغا، وتثبت نجاعة. لقد تمت لها «المواضعة»
Convention
فصارت من ثم «لغة»، ومن السفه أن نتنازل عنها بدعوى قل ولا تقل! وهل اللغة إلا «مواضعة» جدت، على رسلها، لتحقيق التواصل بعد أن كانت وسيلة التواصل فأفأة و«قاعدته» صراخا و«نحوه» لهاثا ونخيرا. هل اللغة إلا ذاك «الخروج» على الصراخ والمروق من الحبسة؟ وإذا كان الخطأ هو خروج عن المتبع وتململ عن المستقر؛ فاللغة بقضها وقضيضها هي بهذا المعنى خطأ مشهور، وإن امتاز عن غيره من الأخطاء بأنه خطا كبير ... بحجم العالم. (3) تصويب الفكر قبل الكلمات (3-1) أمثلة من تصحيح الصحيح
وكأنا لم يرض فينا بريب ال
دهر حتى أعانه من أعانا
المتنبي
أما وجد هذا لبيتي مخرجا في العربية؟!
الفرزدق
أكثر اللغة مجاز لا حقيقة.
ابن جني
لسنا هنا بصدد تصويب
65
كلمة أو كلمات، وليس هذا من غرض الكتاب في شيء، إنما نحن بصدد تصويب منطق وتقويم منهج وتصحيح فكر. إن فينا قوما تملكهم «إرهاب معجمي» و«سادية لغوية»، يقومون من زمن بوظيفة شرطة لغوية مولعة بتحرير المخالفات، وبلعبة قل ولا تقل، ينصبونها للتسلط والتسلي، «كفعل الهر يحترش العظايا!»، ويغالون في ذلك إلى حد «تصحيح الصحيح»! يظن هؤلاء أنهم يحسنون إلى اللغة وهم يؤذونها غاية الإيذاء وينشرون فيها الفوضى والاضطراب، ويبثون في الناس اليأس من الفصحى والانصراف عنها، وها هي العربية تحتضر على أيديهم الخشنة، وليس موت اللغة سوى أن تهجر اللسان، يظن هؤلاء أنهم يصلحون اللغة وهم يهزون القارب وينخرون فيه نخرا منكرا، لقد أضلتهم القواعد (البعدية) فسلبتهم السليقة (القبلية)، وكأنا بالذيل يهز الكلب والعربة تتقدم الحصان.
لماذا كان العربي القديم يتكلم بسجية تعنو لها القواعد وتأتي بعدها ووراءها وعلى قدها، حتى لقد شرع السماع وأصبح الذوق قواعد، بينما قلبنا نحن الآية وبدأنا بالقواعد نتحنث في محرابها ونطوع لها الذوق، حتى ضجر الناس من العربية، وانفضوا عن الخطأ والصواب، وفقدوا الذوق والقواعد؟!
متحف
يقولون: قل متحف بضم الميم ولا تقل متحف بفتحها؛ لأنه اسم مكان لموضع التحف الفنية، والأصل «أتحف» الرباعي وليس «تحف» الثلاثي الذي لم يرد، وعليه يكون اسم المكان هو «مفعل» بضم الميم وفتح العين.
والآن علينا أن نسجل أولا أن كلمة «متحف» بضم الميم ثقيلة الظل تشارك بسهم في كراهة اللغة العربية والازدراء بها والضحك عليها، وكلنا يحس بعد نطقها بوعكة لا يدري كنهها، فاستفت قلبك فيها وإن أفتاك الناس. ثم علينا أن نتساءل: لماذا كان ذلك؟ والجواب، ببساطة؛ لأنها خطأ، ولأنها غير ما نعنيه جميعا إذ ننطق بهذه الكلمة البسيطة ونعني بها المكان الذي تجمع فيه التحف لا المكان الذي تعطى فيه وتمنح (وهو ما لا يحدث في دور الآثار!)، إنها موضع «التحف» لا «الإتحاف». وللأستاذ الدكتور محمد كامل حسين، عضو المجمع اللغوي، وقفة عز مع هذه الكلمة وغيرها، يخلص منها إلى دروس لغوية ثمينة. يقول سيادته في مجلة المجمع، ج22، 1967: «والمتحف» بضم الميم كلمة سقيمة سيئة المبنى، وهي خطأ، وليس لها من العربية إلا انطباقها على قاعدة صرفية، وقد سبق أن وصفت الكلمات المهجورة بأنها من ورق أهل الكهف، صحيحة ولكنها غير قابلة للتداول، أما كلمة «متحف» فهي من العملة المزيفة التي ليس لها من العربية إلا مظهرها، وقد جاء في «معجم الصواب اللغوي » أن مجمع اللغة العربية اعتمد على كثرة اشتقاق العرب من الأسماء الجامدة مثل «أثث» بمعنى وطأ، و«تبغدد» بمعنى انتسب إلى بغداد أو تشبه بأهلها، و«تفرعن» بمعنى تخلق بخلق الفراعنة، فأقر الاشتقاق من أسماء الأعيان من غير تقييد بالضرورة لما في ذلك من إثراء للغة، وكان قد أقر أيضا جواز تكملة فروع مادة لغوية لم تذكر بقيتها في المعاجم. وقد أقر المجمع استعمال كلمة متحف بضم الميم وفتحها: بالضم على أنها اسم مكان من «أتحف» وبالفتح على أنها اسم مكان مشتق من الفعل الثلاثي «تحف» المأخوذ من كلمة «تحفة».