تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19 (4) العلة

مرت بنا هيفاء مقدودة

تركية تنمى لتركي

ترنو بطرف ساحر فاتر

أضعف من حجة نحوي «العلة» هي ما يؤثر في غيره ويقابل «المعلول». والعلل عند أرسطو أربع: فاعلة كالنجار الذي يصنع الكرسي، ومادية وهي الخشب الذي يصنع منه، وصورية وهي الهيئة التي يتم عليها شكله، وغائية وهي الجلوس عليه. وقد تسرب التعليل من المنطق الأرسطي إلى النحو العربي، ثم نما وتضخم وتحول إلى صناعة فكرية تجهد الذهن ولا تعود بفائدة على النطق.

فقد قسم النحاة العلل النحوية إلى نوعين: نوع يؤدي إلى معرفة كلام العرب، كقولنا: كل فاعل مرفوع. ونوع آخر يسمى «علة العلة» مثل أن يقولوا: لم صار الفاعل مرفوعا والمفعول به منصوبا؟ ولم إذا تحركت الياء والواو وكان ما قبلهما مفتوحا قلبتا ألفا؟ وهذا ليس يكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، وإنما تستخرج منه حكمتها في الأصول التي وضعتها، وتبين بها فضل هذه اللغة على غيرها من اللغات.»

20

يطلق الزجاجي على النوع الأول «العلل التعليمية»، وعلى الثاني «العلل القياسية» و«العلل الجدلية والنظرية»، ويطلق ابن مضاء على النوع الأول «العلل الأول» (بمعرفتها تحصل لنا المعرفة بالنطق بكلام العرب) في مقابل «العلل الثواني والثوالث» وهي «لا تفيدنا إلا أن العرب أمة حكيمة»، ويقسم العلل أيضا إلى «علل كسب» تكسبنا أن نتكلم كما تكلمت العرب، و«علل حكمة» تظهر لنا حكمتها في الأصول التي وضعتها.

ومنذ البداية يطالعنا خلط في استخدام النحاة لمصطلح «التعليل» نفسه! فهم تارة يستخدمونه للإشارة إلى طريقة عمل النظام اللغوي، وهو ما نسميه اليوم ب «الوصف»، وتارة يستخدمونه بمعنى «السبب الذي يجعل النظام اللغوي يعمل بالطريقة التي يعمل بها»، وهو المعنى الصحيح والقويم لكلمة «التعليل». وإن هذا الخلط المبدئي ليعكس خلطا في الفهم نفسه، ولقد كان ينبغي أن يقيض مصطلح خاص لكل من العمليتين المختلفتين اختلافا نوعيا.

من المسلم به اليوم أن العلم لا يخوض في العلل الغائية للظواهر، وأن المنهج العلمي لا يعنيه إلا وصف الظواهر واستخلاص القوانين التي تطرد عليها، وباختصار: لا يعنيه إلا الإجابة عن «كيف»، أما إذا تخطى هذا النطاق إلى السؤال عن «لماذا» (لماذا تجري الظواهر على هذا النحو) فإنه يكون قد تخطى مجاله وتنكر لطبيعته ولم يعد منهجا علميا، «فالعلل الغائية غير معترف بها علميا لأنها تتكلم أكثر عن أمور غيبية لا سبيل إلى اختبار صدقها أو كذبها ... ومن قبيل العلل الغائية علل النحاة التي يوردونها لرفع الفاعل، والمبتدأ والخبر، ونائب الفاعل، واسم كان، وخبر إن، وفي نصب المنصوبات، وفي منع بعض الأسماء من الصرف، وفي بناء المبنيات، وإعراب المعربات، وهلم جرا.»

21

ولكن ما احتيالك فيمن شرع في بحثه اللغوي وقد وقر في قلبه أن اللغة توقيف إلهي أو وضع حكماء أو سليقة سحرية؟ إنه مدفوع إلى البحث عن «الحكمة» القابعة في هذه الظواهر اللغوية التي لم تأت عبثا ولم تنشأ اعتباطا. يقول السيوطي في «الاقتراح»: «إن العرب لم تبتدع اللغة العربية، وإنما هي من صنع الله سبحانه، وعلى النحاة أن تبحث عن حكمة الله فيما صنعه» (التوقيف). ويقول سيبويه: «وليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها» (حكمة العرب). ويقول الزجاجي في «الإيضاح في علل النحو»: «سئل الخليل بن أحمد رحمه الله عن العلل التي يعتل بها في النحو، فقيل له: عن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك؟ فقال: إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها، وعرفت مواقع كلامها، وقام في عقولها علله وإن لم ينقل ذلك عنها، واعتللت أنا بما عندي أنه علة لما عللته منه، فإن أصبت العلة فهو الذي التمست، وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام، وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة، فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: «إنما فعل هذا هكذا لعلة كذا وكذا، ولسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك، فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار، وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة، إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك، فإن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلولات فليأت بها»، وهذا مستقيم وإنصاف من الخليل رحمة الله عليه.»

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٤١