تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سئل الكسائي عن شذوذ «أي» الموصولة في استعمالها عن سائر أخواتها الموصولات، فأجاب: «أي ... هكذا خلقت.» وقد صارت عبارته هذه قولا مأثورا يدل على كل ما يتعين اتباعه كما هو دون سؤال عن العلة العقلية، أو يدل على كل ما ليس له تعليل عقلي؛ لأنه، ببساطة، عرف واتفاق وسماع، ومن ذلك: الظواهر اللغوية، فالظاهرة اللغوية بنت العرف والعادة وليست بنت العقل والمنطق.

اللغة لغة والمنطق منطق، ومن يعمل مقولات المنطق في الظواهر اللغوية أو يقيس اللغة بمعايير المنطق فإنه يغترب عن الظاهرة اللغوية، ويقع فيما يسمى «الخطأ المقولي»

Category mistake ، شأنه شأن من يقول: الأعداد الحمراء، الفضائل البدينة، القضايا غير القابلة للأكل. إنه، باستعارة تعبير كلايف بل، «يقطع جلاميد صخر بموسى حلاقة، أو يستخدم تلسكوبا لقراءة جريدة!»

يقول ابن جني: «... هذه اللغة أكثرها جار على المجاز، وقلما يخرج الشيء منها على الحقيقة، وقد قدمنا ذكر ذلك في كتابنا هذا وفي غيره. فلما كانت كذلك، وكان القوم الذين خوطبوا بها أعرف الناس بسعة مذاهبها، وانتشار أنحائها، جرى خطابهم بها مجرى ما يألفونه، ويعتادونه منها، وفهموا أغراض المخاطب لهم بها على حسب عرفهم، وعادتهم في استعمالها.»

4

في كتاب «من أسرار اللغة» يعرض د. إبراهيم أنيس لظواهر لغوية لا تخضع للمنطق، منها «الإفراد والجمع»، فمن اللغات ما يميز الصيغة بين المفرد وغير المفرد (الجمع)، ويتفق في هذا مع التقسيم المنطقي عند الحديث عن الكم ومنها (اللغات السامية) ما يتخذ في الكم ثلاث صيغ: المفرد والمثنى والجمع، بل يذهب البعض إلى أن العربية أمعنت في التمييز فعرفت جمع الكثرة وجمع القلة وجمع الجمع (وهو أمر غامض غير مطرد). وهناك لغات أفريقية تتخذ صيغة للمفرد، وأخرى للمثنى، وثالثة للمثلث، ورابعة للجمع! وما قد يعد مفردا في لغة قد يستعمل جمعا في لغة أخرى (مثل

Shoes

حذاء،

Trousers

بنطال،

Moustaches

شارب،

Scissors

مقص). وفي العربية لا نجمع امرأة ولا نفرد نساء، وقد نستعمل «قدم» ونقصد المثنى (قدمين)، وقد نستعمل المثنى (قفا نبك) ونقصد المفرد أو نقصد حتى الذات! وقد يستعمل الجمع ويراد المثنى

فقد صغت قلوبكما ،

هذان خصمان اختصموا ، وقد يستعمل المفرد ويراد الجمع

هؤلاء ضيفي ،

فإنهم عدو لي ،

ثم نخرجكم طفلا . يقول د. أنيس: «ومهما أجهد اللغويون أنفسهم في تبرير مثل تلك الاستعمالات، فلن يستطيعوا إنكار أنها لا تمت للمنطق العام بصلة؛ وذلك لأن للغات منطقها الخاص.»

5

ومن الظواهر اللغوية التي لا تخضع للمنطق «التذكير والتأنيث»: من اللغات ما يقسم الكيانات إلى مؤنث ومذكر، ومنها ما يقسمها إلى مؤنث ومذكر ومحايد، ومنها ما قصر الأمر على الحي والجماد! وقد يصيب التغير بعض الأسماء المؤنثة فتصبح مذكرا أو العكس، وقد فقدت الفروع الحديثة للاتينية (الفرنسية والإسبانية والإيطالية، والبرتغالية والرومانية) الصيغة المحايدة، وأصبحت الأسماء المحايدة في اللاتينية مؤنثة أو مذكرة في اللغات الجديدة، وروي أن أهل الحجاز يؤنثون الطريق والصراط والسبيل والسوق والزقاق ... وأن بني تميم يذكرون كل ذلك. وقيل إن جمع الجنس كالبقر والتمر والشعير، يذكر ويؤنث، وإن هنا أيضا بعض التفاوت بين القبائل في التذكير والتأنيث. ومعروف أن من الكلمات ما هو مذكر في لغة ومؤنث في غيرها (الشمس مذكر في الفرنسية، مؤنثة في العربية، جائزة الأمرين في العبرية والآرامية)، ويقسم النحاة العرب التأنيث إلى مؤنث حقيقي ومؤنث مجازي، ولكل منهما أحكامه اللغوية، وقد تستعمل الصفة المذكرة للمؤنث (امرأة كاعب، ناهد، عانس، طالق، عجوز، طروب، حامل، مرضع، أيم، عاقر، وبقرة فارض، وناقة شافع ... إلخ) وتستعمل الصفة المؤنثة للمذكر (رجل داهية، علامة، باقعة، نابغة ...)، وتقبل العربية صيغا مثل: «قالت الأعراب»، «قالت اليهود »، «بلدة ميتا»، «السماء منفطر به»، «سبيل الرشد لا يتخذوه»، «هذه سبيلي»،

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٣٥