تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

29

ويرفض البحث اللغوي الحديث هذا كله وإلا فإنه يجب على هذا أن نتصور نوعا من الارتباط بين حروف الفعل «أدرك» وحروف الفعل «فهم» لأن لكل منهما نفس الدلالة؛ وعليه من جهة أخرى أن ننكر من اللغة تلك المئات من الكلمات التي اشتركت لفظا واختلفت معانيها اختلافا بينا (من قبيل: ضرب، فصل، عين ...).

وفي كتابه «دلالة الألفاظ» يقول د. إبراهيم أنيس: «الأمر الذي لم يبد واضحا في علاج كل هؤلاء الباحثين هو وجوب التفرقة بين الصلة الذاتية والصلة المكتسبة، ففي كثير من ألفاظ كل لغة نلحظ تلك الصلة بينها وبين دلالتها، ولكن هذه الصلة لم تنشأ مع تلك الألفاظ أو تولد بمولدها، وإنما اكتسبتها اكتسابا بمرور الأيام وكثرة التداول والاستعمال، وهي في بعض الألفاظ أوضح منها في البعض الآخر، ومرجع هذا إلى الظروف الخاصة التي تحيط بكل كلمة في تاريخها، وإلى الحالات النفسية المتباينة التي تعرض للمتكلمين والسامعين في أثناء استعمال الكلمات. فإذا تصادف أن عني أحد المتكلمين بأصوات لفظ من الألفاظ، واسترعى انتباهه أكثر من غيره، لا يلبث أن يعقد الصلة الوثيقة بينه وبين دلالته، ويتصور نوعا من المناسبة بين تلك الأصوات وما تدل عليه، ويحاول نقل شعوره إلى غيره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإذا تصادف أيضا أن أحس فريق من الناس نفس الإحساس، بدأت عملية ذهنية أخرى هي الربط بين هذه الأصوات وأشباهها من الكلمات الأخرى؛ لأن الذهن الإنساني يميل إلى التجميع والتعميم، وتلتقي تلك العملية بعملية نفسية أخرى هي التي تسمى بتداعي المعاني، أي أن المعنى حين يخطر في الذهن يدعو ما يشبهه أو يقاربه، وهنا قد يخطر في الذهن فكرة الربط بين مجموعة من الألفاظ المتشابهة المتقاربة، بمجموعة من المعاني المتشابهة أو المتقاربة، ويترتب على هذا أن يشيع بين أبناء اللغة نوع من الوهم يشعرون معه بوثوق الصلة بين الألفاظ والمدلولات.»

30

وقد عرض الأستاذ العقاد لمسألة المحاكاة الصوتية في كتابه «أشتات مجتمات في اللغة والأدب»، تعقيبا على رأي للأستاذ رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) في اختصاص بعض الحروف بمعان معينة؛ فالفاء للإبانة والوضوح، والضاد للشؤم، والحاء للمعاني الشريفة القوية . يقول العقاد: «كان الأستاذ برادة يبحث عن أثر الحروف في السمع وعلاقة ذلك بالفصاحة والإقناع، ويعتقد أن الحاء أظهر الحروف أثرا في الإيحاء بمعاني السعة، حسية كانت أو فكرية، ويعمم الحكم فيسوي بين موقع الحاء في أول الكلمة وموقعها في وسطها أو آخرها، ويتمثل بكلمات الحرية والحياة والحكم والحكمة والحلاوة ... ولقد كان زميله الهلباوي على عادته في الفكاهة والدعابة يسخر من فلسفته «الحائية» كما يسميها، ويقول إن اسم «الحمار» مبدوء بالحاء، وإن أشيع اللفظات على ألسنة النادبات يتردد فيها حرف «الحاء» ... إلا أننا كنا نخالف الأستاذ برادة في تعميم الحكم على الحرف بغير تفرقة بين مواقعه في الكلمات ومواقعه في السماع، وقد ضربنا له المثل بكلمات لا تغيب عن المحامين على التخصيص وهي كلمات «الحبس والحجر والحرج والحد والحساب والحرس» وغيرها من الكلمات التي تناقض معاني السعة بالحس والتفكير.»

31

على أن الأستاذ العقاد ينتهي من هذه المناقشة بقبول مبدأ المحاكاة الصوتية في اللغة العربية بشروط، وبأن العبرة بموقع الحرف من الكلمة لا بمجرد دخوله في تركيبها، وبأن الاستثناء في الدلالة قد يأتي من اختلاف الاعتبار والتقدير، ولا يلزم أن يكون شذوذا في طبيعة الدلالة الحرفية. وما كان العقاد ليفوت فرصة يبين فيها تميز العربية عن غيرها من اللغات دون أن يفيد منها أقصى فائدة ممكنة.

الحق أن ابن جني لا يدعي أن مقارباته المذكورة تشمل اللغة جميعا (واعلم أنا لا ندعي أن هذا مستمر في جميع اللغة)،

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٣١