26
الفصل الرابع
| طبيعة اللغة
العلاقة بين الدال والمدلول علاقة ضرورية، لا في ذاتها ، بل في ذاتنا نحن!
ما هي العلاقة بين الكلمات والأشياء؟ بين الدال والمدلول؟ بين الألفاظ وما تشير إليه الألفاظ؟
ثمة جوابان ممكنان على هذا السؤال: الأول يقول إن العلاقة بين الكلمة ومدلولها علاقة طبيعية ضرورية تجعل هذه الكلمة بعينها هي المقيضة للتعبير عن هذا الشيء بعينه، وهي المناسبة، دون غيرها من الأصوات الممكنة، للإشارة إلى هذا المعنى المحدد؛ وبالتالي فإن أمر الدلالة (أو التدليل
Signification ) غير متروك للمصادفة أو الاعتساف، ذلك هو «المذهب الطبيعي»
Naturalism
في اللغة.
والجواب الثاني يقول إن العلاقة القائمة بين العلامات اللغوية، كالكلمات، وبين معانيها هي في عامة الأحوال مسألة «عرف» أو «اصطلاح» أو «تواطؤ» أو «مواضعة»
Convention . «إن الرموز اللغوية لا تحمل قيمة ذاتية طبيعية تربطها بمدلولها في الواقع الخارجي؛ فليس هناك أي علاقة بين كلمة «حصان» ومكونات جسم الحصان، والعلاقة كامنة فقط عند الجماعة الإنسانية التي اصطلحت على استخدام هذه الكلمة اسما لذلك الحيوان، ومعنى هذا أن قيمة هذه الرموز اللغوية تقوم على العرف، أي على ذلك الاتفاق الكائن بين الأطراف التي تستخدمها في التعامل، وهذا معناه أن المؤثر والمتلقي متفقان على استخدام هذه الرموز اللغوية المركبة بقيمتها المعرفية.»
1
وليس هناك ما يحتم على كلمة
Dog
أن تعني ذلك الصنف المستأنس من الكلبيات، إنما يجعل هذه الكلمة تعني ما تعنيه هو أن الناطقين بالإنجليزية يرقب بعضهم بعضا ويتوقعون فيما بينهم أن يلتزم كل منهم بالعرف المتفق عليه والذي يربط كلمة
Dog
بالكلب،
2
ذلك هو «المذهب الاصطلاحي، أو التواضعي»
Conventionalism
في اللغة.
شغلت هذه المسألة عقول المفكرين اللغويين منذ أقدم العصور، وفي زمن الإغريق طرح هذا السؤال طرحا ناضجا، وانقسم الفلاسفة فيه بين قائل بالمذهب الطبيعي، مثل هيراقليطس وكراتيلوس، وقائل بالمذهب الاصطلاحي، مثل ديمقريطس وهيرموجينيس. (1) أفلاطون
وقد أفرد أفلاطون لهذه المسألة محاورة كاملة، تنتمي إلى المرحلة الوسيطة من محاوراته، هي محاورة «كراتيلوس» (أقراطيلوس). في هذه المحاور يجري نقاش طويل بين سقراط ومحاوريه: هيرموجينيس وكراتيلوس، يمثل هيرموجينيس الموقف الاصطلاحي القائل بأن منشأ اللغة هو عملية تواطؤ (اصطلاح/اتفاق/تواضع) بين أفراد المجتمع اللغوي على أن يطلق لفظ ما لتسمية شيء معين، والاسم الذي نتفق عليه يغدو، بموجب هذا الاتفاق، هو الاسم الصحيح، فإذا اتفقنا على تغييره والاستعاضة عنه باسم آخر؛ فإن الاسم الجديد يصبح هو الاسم الصحيح. ونحن نغير أسماء عبيدنا فلا يكون الاسم الجديد أقل صوابا من القديم، الطبيعة ليست موكلة بأن تطلق لنا أسماء على الأشياء، بل هذه مهمتنا نحن، التسمية صناعة بشرية ومناط التسمية التكرار والاعتقاد والتواطؤ بين من يقومون بفعل التسمية، وليس ثمة استحالة في أن تطلق نفس الأسماء على أشياء مختلفة تمام الاختلاف، أو أن تعطى نفس الأشياء أسماء متباينة كل التباين، ما دام مستخدمو اللغة قائمين على اتفاقهم بهذا الشأن.
أما كراتيلوس، نصير المذهب الطبيعي في اللغة، فيرى أن الأسماء لا يمكن أن تسبغ على الأشياء كيفما اتفق كما يتصور أصحاب المذهب الاصطلاحي؛ لأن الأسماء تنتمي إلى مسمياتها المحددة انتماء «طبيعيا» «ضروريا»، فإذا ما حاولت أن تتحدث عن شيء ما بأي اسم غير اسمه الطبيعي فإنك ببساطة تفشل في الإشارة إليه فشلا ذريعا. ثمة بالطبيعة طريقة صحيحة للتدليل على الأشياء، واسم صحيح لكل كائن في الوجود، عند الناس جميعا على السواء. وقد كان هيراقليطس مهتما بتحليل الأسماء لأنها تعبر عنده عن ماهية الأشياء، وتأتي بمشيئة إلهية، إنها «توقيف»، وحي، إلهام.