16
ثم جاء ابن مالك في القرن السابع الهجري، فلمس فكرة التفريق بين ما هو «خاص بالشعر» وما هو «ضرورة»؛ فجعل الضرورة ما ليس للشاعر عنه مندوحة، وناقش الكثير من ظواهر الشعر التي حكم النحاة عليها بالضرورة فرفض أن يكون الشاعر مضطرا إليها، وبين ما كان يمكن للشاعر أن يقوله بدل الضرورة المزعومة، وأنه مختار ولا ضرورة تلجئه إلى ذلك، مثال ذلك دخول «أل» على المضارع في قول الشاعر:
ما أنت بالحكم الترضى حكومته
ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
وقال إن مثل هذا غير مخصوص بالضرورة؛ لتمكن الشاعر أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته؛ هذا إذن شيء «خاص بالشعر» وليس «ضرورة»، ولو أن من جاءوا بعد ابن مالك توسعوا في تطبيق هذه الفكرة لأمكنهم عزل الكثير مما سمي «ضرورة» على أنه «خاص بالشعر»، ولأمكن لدراسة الشعر أن تستقل بخصائصها كليا عن دراسة النثر، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وظل النحاة على مذهبهم في الضرورة؛ ذلك أن تمييز لغة الشعر عن لغة النثر يفتح بابا لإعادة النظر في الطريقة التي تمت بها دراسة نصوص الكلام العربي جملة، وما كان تقليد المتأخرين للمتقدمين يسمح بهذه المراجعة.
17
وفي شرح التلخيص للسبكي نجد التفاتا ذكيا إلى طبيعة «الضرورة» وطبيعة الاختلاف بين لغة النثر ولغة الشعر. كان شراح التلخيص يعدون مخالفة القاعدة النحوية المطردة ضعفا في التأليف وبعدا عن الفصاحة، ومن أمثلة ذلك «الإضمار قبل الذكر» لفظا ومعنى، كما في قول الشاعر:
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر
وحسن فعل كما يجزى سنمار
يرى السبكي أن هذا قد يكون ضعفا في النثر، أما في لغة الشعر فالأمر يختلف: «لأن ضرورة الشعر كما تجيز ما ليس بجائز فقد تقوي ما هو ضعيف، فعلى البياني أن يعتبر ذلك، فربما كان الشيء فصيحا في الشعر غير فصيح في النثر.»
ومن يتأمل البيت المذكور يدرك صواب السبكي فيما ارتآه، فحين انصهرت مثل هذه «المجاوزة» في سبيكة الشعر لم نكد نحس أي نشوز أو اختلال، وربما أطربتنا المجاوزة ذاتها ووجدنا لها وقعا جماليا معينا. وجدير بالذكر أن الإضمار قبل الذكر لم يعد مستنكرا حتى في لغة النثر بعد أن وفد علينا بكثرة في الأساليب الأجنبية هذه الأيام.
18
لا لم تكن فكرة «الضرورة» إلا ضرورة النحاة أنفسهم في دراستهم وقد جبهتهم لغة الشعر بما لا يتفق مع قواعدهم. انظر إلى سيبويه نفسه كيف اغترب عن بيت عمر بين أبي ربيعة:
صددت فأطولت الصدود وقلما
وصال على طول الصدود يدوم
فقال: يحتمل الشعراء قبح الكلام حتى يضعوه في غير موضعه، وإنما الكلام «قلما يدوم وصال».
لم يوفق سيبويه في هذا المثال إلى تمييز الفرق الجوهري بين لغة النثر ولغة الشعر، فهذا الحيود في لغة البيت ليس قبحا وليس اضطرارا، وإنما هو طريقة للشعر في الصوغ والتركيب، أو هو «خاص بالشعر»، ولو أن البيت صيغ على غير ذلك لذهب ماؤه وزال موضع التعجب منه.
لم يحتمل العلماء فكرة وجود لغتين أو مستويين لغويين للفصحى: لغة النثر ولغة الشعر، بحيث يكون أغلب ما أسموه «ضرورة» هو، ببساطة، «خاص بالشعر». ولعل ابن فارس خير ممثل لاتجاه عامة النحاة إلى تخطئة الشعراء في خروجهم على المطرد والقياسي من القواعد. في رسالته «ذم الخطأ في الشعر» يذهب ابن فارس إلى أن الضرورة ضرب من الخطأ ومجانبة الصواب، فالشعراء عنده يخطئون كما يخطئ الناس ويغلطون كما يغلطون، وما جعل الله الشعراء معصومين يوقون الخطأ والغلط، فما صح من شعرهم فمقبول، وما أبته العربية وأصولها فمردود، ورأى ابن فارس أن كلام النحويين في هذا الباب إنما هو ضرب من التوجيه لخطأ الشعراء وتكلف التأويلات لأغلاطهم،
19
وذهب ابن رشيق إلى أن «الضرورة لا خير فيها»،
20
وقال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين»: «وينبغي أن تجتنب ارتكاب الضرورات، وإن جاءت فيه رخصة من أهل العربية؛ فإنها قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه، وإنما استعملها القدماء في أشعارهم لعدم علمهم - كان - بقباحتها، ولأن بعضهم كان صاحب بداية، والبداية مزلة، وما كان أيضا تنقد عليهم أشعارهم، ولو قد نقدت وبهرج منها المعيب، كما تنقد على شعراء هذه الأزمنة ويبهرج من كلامهم ما فيه أدنى عيب لتجنبوها.»