تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9

لقد مضت العربية في تطورها على مذهب خاص ومعقول عربي لو أدركناه لاستطعنا أن نجعل العربية تتابع نماءها، وتحقق ما اتجه إليه ارتقاؤها، ولكنه توقف بخروج العرب من الجزيرة عند الفتح الإسلامي وتوزعهم في الأنحاء، ثم تناول اللغويون للعربية تناولا طابعه الجمع فقط، وفقدان النظرة العامة إلى اللغة، والوقوف في وجه كل اجتهاد.

10

يشيد الشيخ أمين الخولي بمحاولة العلايلي النظرية (مقدمة لدرس لغة العرب) والتطبيقية (المعجم)، ويرى أن العلايلي لا يقف عند بيان هذا التطور، بل يمضي إلى ما وراء ذلك من اهتداء بهذا التطور في دفع العربية اليوم إلى السير استئنافا لتطورها الذي أوقفه خروجها من الجزيرة عند الفتح الإسلامي، فهو يهتدي بهذا التطور إلى معرفة «معقول» العربي ووجهته في السير بلغته، أو سير الحياة بها، وما كان ينتظر أن ينتهي إليه الأمر في رقيها واستقرار أمرها، والتخلص من ظواهر الفوضى أو الاضطراب في مادتها وصورتها، وبهذا الهدي التطوري يرى أننا نستطيع رد الحياة إلى العربية، ودفعها إلى استكمال ما عوقتها الظروف عن استكماله فتقرر اليوم النتائج التي دلنا التطور على أنها كانت تتجه إلى تقريرها، وتبسط رقعة الوضع أمام الواضع الجديد اليوم، وبهذا تستبدل العربية بضمورها نماء، وزيادة، على أنها ستنمو نموا داخليا ذاتيا بمواد من كيانها لا بمعربات من غيرها، ولا منحوتات مصطنعة من كلمها.

11

من النتائج التي رتبها العلايلي على ما قال إنه معقول العربي ووجهته في السير بلغته، والتي يرى أن علينا نحن أن نتابع تحقيقها لنصل بالعربية إلى الاستقرار والاستكمال والتخلص من ظواهر الفوضى والاضطراب:

اختلاف أبواب الفعل الثلاثي مثل من عدم الاستقرار، ويظن العلايلي أن العربي قصد طرد الأفعال المضارعة على الكسر دون تخلف، فالماضي يكون على وزن «فعل» - بفتح العين مطلقا، إلا لحاجة معنوية فينقل قياسا إلى بابي «طرب» و«كرم»، وهذا في غير الحلقي فيكون من باب «فتح» مطلقا؛ وعليه فكل ماض بالفتح مطلقا، وكل مضارع بالكسر مطلقا، وكل حلقي بفتحتها مطلقا، وكل اشتقاق مستقبل يلزم هذا السبيل وينطرد عليه، على أنه لا يخرق بهذا حرمة النص، بل يتقيد بما مضت به المعاجم إذا كان محل وفاق، فإن اختلفت فيه فالراجح الكسر (مقدمة لدرس لغة العرب).

المصادر من الثلاثي بقيت قلقة كذلك، وكذلك الجموع لم تستقر إلا في قلة من الكلمات، غير أن العربي أخذ بصورة جدية لإقرارها.

لم تتحدد للصيغة دلالة على اطراد، فتحمل الكلمة معنيين أو معنى مؤلفا مما تقيده الصيغة والمادة التي منها الاشتقاق، على أن العربية مع كل ما ترى فيها من فوضى هذه الناحية لا ينكر أنها أخذت في سيطرة الاشتقاق وغلبته بهذا النحو، وبقاء الموازين على فوضاها لا يتناسب مع المفاهيم العلمية الدقيقة، التي تضطرنا لأن نجعل دلالة لازمة أبدا للهيئة الميزانية، ومن ثم لا يكون عناء الوضع كبيرا، كما ترتسم للميزان أيضا صورة عند السامع، تكون على مقدار من المعنى. فعلى الواضع الجديد أن يتوفر على تخصيص الموازين بما يقارب أن يكون جامعا لشتى المشتقات عليها.

12

تلك مجرد شواهد على أن محاولة فهم التطور اللغوي للعربية تنتهي بالباحثين إلى نتائج بعيدة وهامة، وأنه لا سبيل إلى رد الحياة على العربية وتيسير النماء الحي لها إلا إذا عرف كيف دبت الحياة في هذه العربية، وكيف سارت الحياة بها لنعرف من ذلك كيف تتابع سيرها في هذه الحياة. (3) التزمت يخلق الثورة

مات الكسائي شيخ الكوفيين وهو لا يحسن «نعم» و«بئس»، وفارق تلميذه الفراء الدنيا وفي نفسه شيء من «حتى».

الضغط يولد الانفجار، والتصلب الانكسار، والتزمت الثورة. ويوشك المحافظون الغيورون أن يقتلوا العربية اختناقا، وفيما يلي أورد قطوفا من أقوال حقيقية لمجمعيين حقيقيين، ثقات أئمة، في مناقشاتهم في دورات المجمع: «... ولنقف عند هذا خشية أن ينتهي الأمر إلى اعتراف كامل بها (العامية) له أخطاره ومغبته.» (د. بيومي مدكور) «ومجمع اللغة العربية لا يؤخذ بأخطاء الناس، ولكنه يؤخذ إذا هو وضع خاتمه الشرعي على أخطاء الناس، ولا يجوز لنا أن نجيز أخطاء الناس وإن كنا أحيانا نسكت عنها. لعل إخواننا في مصر لا يدركون مدى الحملة على اللغة العربية في أقطار أخرى، ولم يحسوا بالخطر الكامن وراء الدعوة إلى التمهيل والتبديل في اللغة العربية، فرجاؤنا أن يشعروا معنا بذلك، وأن يظلوا السور الذي يحمي لغتنا فلا يفتحوا فيه ثغرة جديدة.» (د. عمر فروخ) «... يجب ألا نفتح ثغرة مهما كانت صغيرة ينفذ منها من يريدون القضاء على العربية.» (أ. زكي المهندس) «... فأما حملة د. محمد كامل حسين على اللغة العربية وأنها يجب أن تساير العصر ويتساهل فيها فهذا غير ما بني عليه المجمع من المحافظة على سلامة اللغة العربية، وحملته على الأشموني والألفية فيها تجن كثير، فهذه الكتب حفظت لنا اللغة بدقائقها وتفاصيلها، وإذا كان فيها شيء من الصعوبة فلها من يستسيغها ويفهمها.» (الشيخ محمد علي النجار) «يجب أن تقوم الألسنة المعوجة لتستقيم على منهاجها الواضح المبين، لا أن تعوج هي لتطاوع الألسنة المعوجة بحجة التيسير عليها لتبقي على اعوجاجها.» (أ. عبد الفتاح الصعيدي) «لا أرى أن نتخذ من القواعد ما نقر به المخطئ على خطئه، ومن الخير أن نلتزم اللغة الفصحى، وننبه على أن المستعمل بخلافها في الصحف أو غيرها غير مقبول، وليس من الخير أن نضع خاتم الشرع على أخطاء الكاتب أو المتحدث، ولو أجزنا لكل مخطئ أن يخطئ فسينتهي بنا الأمر إلى تسويد لغة العامة.» (د. عمر فروخ)

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ١٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ١٠٢