تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والآن، ماذا تحمل هذه المسألة من متضمنات أدبية ونقدية؟ ماذا تحمل بالنسبة للقائمين بمهنة «التفسير الأدبي» وبالأخص بالنسبة لمعلمي الأدب؟ إنها أولا تشير إلى الحاجة إلى إعادة النظر في مسألة الخلفية التاريخية والسيكولوجية وأهميتها في التفسير، أي إعادة النظر في دور المعطيات السياقية، التاريخية والنفسية، بالنسبة للفهم الأدبي، إن للنص «وجوده» الخاص في الكلمات نفسها، في ترتيبها وفي مقاصدها، وفي مقاصد العمل بوصفه موجودا من نوع معين، فإذا صح ذلك ألا يكون من شأن الناقد الذي لا يتسلط على النص، بل يستسلم لوجود العمل، أن يساعد على استعادة ما فقده النص حين تحول إلى كلمات مكتوبة؟ ألا يقوم الناقد حين يخرج أدواته التصورية (سواء كانت تتصل بالشكل أو المضمون) بتشييد سياق من المعنى (دائرة تأويلية) سوف ينبثق منه أداء شفاهي أكثر كفاءة، حتى لو تخفى ذلك في قراءة صامتة أكثر عمقا تأويليا؟ إن هذا التوجه لا يتناقض، بل ينسجم، مع ما يصبو إليه «النقد الجديد»

New Criticism

من صيانة الوجود الخاص بالنص نفسه وحمايته من عبث التقول عليه ومن «هرطقة إعادة الصياغة»، ذلك أن «النقد الجديد» يريد أن يمكن للنص أن يتحدث. لا شك أن النقد الجديد، في ضوء ذلك، سوف يتفق معنا على أن النقد المسعف حقا هو ذلك النقد الذي يهدف إلى قراءة شفهية أكثر كفاءة للنص نفسه، قراءة تسمح للنص أن يوجد مرة ثانية بوصفه حدثا شفاهيا ذا معنى يحدث في الزمان، وجودا يمكن لطبيعته وتكامله الحقيقي أن يتألق ويضيء.

من شأن التأويل الشفاهي أن يساعد النقد الأدبي على أن يستحضر في نفسه هدفه الخاص ومقصده الصميم عندما يتخذ، بطريقة واعية، تعريفا ل «وجود» العمل الأدبي، لا على أنه شيء تصوري سكوني، ولا على أنه «ماهية» لا زمانية تحولت إلى شيء على هيئة تصور متجسد في تعبير لفظي، بل على أنه كائن يحقق وجوده كحدث شفاهي في الزمان، يجب على الكلمة ألا تعود كلمة (أي شيئا بصريا وتصوريا) وأن تصبح «حدثا»، فوجود العمل الأدبي هو «حدث» لفظي يحدث كأداء شفاهي. إن النقد الأدبي الحق يتحرك في اتجاه التأويل الشفهي للعمل الذي ينصب عليه، وليس ثمة من تناقض بين «الوجود المستقل» للعمل الأدبي الذي ينادي به «النقد الجديد» وبين هذا المبدأ، فالوجود المستقل، هو، على العكس، ينسجم مع مبدأ التأويل الشفهي ويتفق معه تمام الاتفاق.

ولمبدأ التأويل الشفهي وقوة الكلمة المنطوقة أهميته أيضا في مجال النصوص المقدسة، ومن المأثور عن القديس «بولس» وعن «مارتن لوثر» قولهما: «إن الخلاص يأتي خلال الآذان.» لقد كتبت رسائل بولس لكي تقرأ قراءة جهرية لا قراءة صامتة، والحق أن علينا أن نذكر أنفسنا بأن القراءة الصامتة السريعة هي ظاهرة حديثة أتت بها الطباعة، بل إن عصرنا هذا المتعجل الملول قد جعل من «القراءة السريعة» فضيلة، وكم نبذل من جهد لكي نطمس القراءة نصف الجهرية التي يتعلم بها الطفل القراءة، رغم أن هذه الطريقة كانت طبيعية تماما في العصور القديمة، ويذكر القديس أوغسطين أن هذه هي الطريقة التي كان يقرأ بها.

3

وقد ينبغي على علم اللاهوت المسيحي أن يتذكر أن لاهوت «الكلمة» ليس لاهوت الكلمة المكتوبة بل الكلمة المنطوقة، إن النصوص المقدسة (وبخاصة في لاهوت بلتمان) هي

Kerygma

أي رسالة يجب أن تبلغ وتعلن، ومن شأن الجهود المبذولة لنشر الكتاب المقدس في أرجاء المعمورة أن تهزم نفسها إذا ما تم النظر إلى الكتاب المقدس على أنه عقد أو وثيقة قانونية أو تفسير عقلي تصوري للعالم؛ ذلك أن لغة الكتاب المقدس تعمل في وسط مختلف تمام الاختلاف عن كتيب إرشادي لبناء شيء ما أو عن نشرة معلومات، وكلمة «معلومات» هي كلمة ذات دلالة، فهي تشير إلى استخدام للغة مختلف عن الاستخدام الموجود في الكتاب المقدس، إنها تخاطب الملكة العقلية ولا تخاطب جماع الشخصية، بمقدورنا أن نقرأ المعلومات قراءة صامتة دون أن نخسر شيئا، فنحن لا يلزمنا أن نستحضر خبرتنا الشخصية أو نخاطر بأنفسنا لكي نفهم المعلومات، أما الكتاب المقدس فهو ليس معلومات، إنه ... رسالة، بلاغ، وقد قصد به أن يقرأ جهارا وأن يسمع، وما هو بمجموعة من المبادئ العلمية، إنه واقع من نوع مختلف عن واقع الحقيقة العلمية، واقع ينبغي فهمه على أنه قصة تاريخية ... حدث يجب أن يسمع، والمبدأ العلمي غير الحدث التأويلي، ومعقولية المبدأ غير معقولية الحدث، بهذا المعنى الأعمق لكلمة «تاريخي» ينبغي أن نفهم الأدب واللاهوت، إن العمليات التأويلية المناسبة للعلم لتختلف اختلافا بعيدا عن العمليات التأويلية الملائمة للأحداث التاريخية، أو الأحداث التي يحاول اللاهوت أو الأدب أن يفهمها.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٩