تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

New Criticism ؟ ألا يجوز أن يكون جادامر قد وصل من خلال تحليل معقد إلى نفس الموقف الذي ارتآه النقد الجديد على الدوام بوصفه واقعية أرسطية؟ إن هناك أوجه التقاء لا يسع الناقد الجديد معها أن يختلف مع هذا التصور الشبيه الذي قدمه جادامر، غير أن الأهم من ذلك أن الأنالوجي الذي طرحه جادامر (قياس العمل الفني باللعب) يقدم تبريرا قويا لاستقلالية العمل الفني دون الفصل الذي يستلزمه الأخذ بخرافة التمايز الاستطيقي. إن دفاع النقاد الجدد عن استقلالية العمل الأدبي لم يجر وراءه حتى الآن إلا إضعاف الصلة بين الأدب والحياة، ودفاعهم الرائع عن الشعر لم يذكرنا إلا بأن الشعر والشاعر لم يعد لهما مكان في المجتمع وأن المدافعين اللوذعيين كانوا ملائكة متبطلين يرفرفون بأجنحتهم المضيئة في فراغ (باستعارة تعبير ماثيو أرنولد مشيرا إلى شيلي)، ولكن يبقى أن التأويل «الموضوعي» الأصيل للعمل الأدبي عند جادامر، والذي يحرر التأويل من خرافات الاستطيقا الذاتية (وبخاصة قسمة الذات/الموضوع وقسمة الشكل/المضمون) ما زال يحفظ العمل الأدبي بمعزل عن آراء مؤلفه وعن فعله الإبداعي وعن الميل إلى اتخاذ ذاتية القارئ كنقطة انطلاق، بل إن النقاد الجدد يتحدثون أحيانا عن «الاستسلام» لوجود العمل الأدبي، وهم في ذلك على وفاق حقيقي مع جادامر.

على أن النقاد الجدد ظلوا متورطين في أوهام الاستطيقا الذاتية دون أن يعوا بذلك، وقد كان تصور جادامر كفيلا أن يكشف لهم بوضوح أكبر طبيعة الاتصال والاستمرار بين الفهم الذاتي المستمد من الأدب والفهم الذاتي الذي توجد فيه ومن خلاله، وكان تصور جادامر جديرا بوجه خاص أن يبصرهم بتاريخية الأدب، لقد طالما اتخذ أتباع النقد الجديد من الشكل نقطة انطلاق لتحليلاتهم، مما أوقعهم على الفور في جميع الأخطاء التي يجرها التمايز الاستطيقي.

في الوقت نفسه ما يزال الكثيرون من مفسري الأدب اليوم يجفلون من فكرة أن الأدب ذو صبغة تاريخية، صحيح أن العمل الفني ليس مجرد «أثاث في كتاب التاريخ» غير أنه من الخطر بنفس الدرجة أن نغفل حقيقة أن الفهم الذاتي لروح عظماء الماضي إنما يتمثل وينتقل إلينا تاريخيا من خلال الأعمال الفنية، ومن شأن مذهب التمييز بين الجوانب الشكلية للأدب، بوصفها الجانب الاستطيقي، والجوانب غير الشكلية أن تجعل المفسر يحس أنه يحيد عن التناول الفني للعمل كلما شرع في تأمل ما «يقوله» العمل، أما تناول معنى العمل بالنسبة ليومنا الحاضر فلا مكان له فيما يبدو في فلسفتهم عن العمل الأدبي. والحق أن التوتر القائم بين الماضي والحاضر كثيرا ما يتم كبته في التحليلات الشكلية للشعر والتي تتسم باللازمانية واللاتاريخية، وهنا أيضا نجد النقد الأدبي الحديث مفتقرا بشدة إلى فهم الطبيعة التاريخية والزمانية للعمل الفني الأدبي، وسوف يتبين ذلك بوضوح أكبر بعد عرضنا التالي لنقد جادامر للتصورات المعتادة عن التاريخ والتاريخية. (1-2) نقد الفهم الشائع للتاريخ

الأيام

لا تقلع من دم إنسان،

بل تضرب فيه جذورا لا تفقد غير اللمعان،

وتضم أقانيم الحاضر والمستقبل

وتعيش الآن.

يصرح جادامر أنه يتخذ من تحليل هيدجر للبنية المسبقة للفهم وللتاريخية الصميمة للوجود الإنساني مرتكزا وأساسا ونقطة انطلاق لتحليله الخاص ل «الوعي التاريخي»، ومفاد «البنية المسبقة»

Pre-Structure

للفهم عند هيدجر أننا حين نضطلع بفهم نص ما أو مادة أو موقف فنحن لا نفهمه بوعي خال لحظيا نملؤه بالموقف الجاري، بل نفهمه لأننا نضمر توجها مبدئيا يتعلق بالموقف ونهيب به، ونكن في أنفسنا طريقة معينة في الرؤية محددة سلفا وبعض «التصورات المسبقة»

Ppre-Conceptions . وقد أسهبنا في الفصل الخاص بهيدجر في بيان ذلك، وإنما يعنينا هنا أن نتعقب ما يترتب على هذا التصور بالنسبة للوعي التاريخي، وبإمكاننا أن نوجز ذلك منذ البداية فنقول: ليس هناك فهم خالص أو رؤية للتاريخ بدون الإشارة، أو الإحالة، إلى الحاضر، بل إن فهم التاريخ ورؤيته لا يتمان أبدا إلا من خلال وعي يقف في الحاضر.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٨٦