لظاهرة اللعب عدد من العناصر الهامة التي يمكن أن تلقي الضوء على العمل الفني وأسلوبه في الوجود، غير أن جادامر هنا لا يريد بحال أن يبعث نظريات «اللعب» التي تفسر الفن بأنه تصريف لفائض الطاقة وجلب للذة الاستطيقية، تقوم هذه النظريات على أن اللعب هو نشاط للذات الإنسانية، وأن الفن هو نوع من اللعب الذي يجلب متعة للذات الإنسانية التي تترك العالم لتستمتع بلحظة استطيقية تسمو على وجودها الأرضي الدنيوي وتنفصل عنه، وتنظر هذه النظريات إلى الفنان على أنه طفل كبير مرهف الحس يستمد متعة استطيقية من اللعب بالأشكال وقولبة المواد الخام والتلاعب بها وتحويلها إلى أشكال ذات نسب منسجمة وهيئة متسقة تبعث السرور واللذة.
لا جرم يرفض «جادامر» هذه النظريات ويرى فيها الخطأ نفسه الذي يسم الفكر الحديث كله: خطأ إحالة كل شيء إلى الذات الإنسانية، وهو إذ يهيب بظاهرة اللعب فإنه لا يعني به نشاط ذات إنسانية تبتكر وتستمتع، ولا يعني به «حرية» الذات الإنسانية التي يمكنها أن تنخرط في اللعب، إنما يشير «اللعب» في نظرية جادامر إلى طريقة وجود العمل الفني نفسه، وهو حين يستعين بمفهوم اللعب في معرض تفسيره الفن إنما يهدف إلى أن يخلص الفن من الميل التقليدي إلى ربط الفن بنشاط الذات.
إن اللعب هو اللعب وما هو بالجد، إلا أن للعب نوعا قدسيا من الجدية! وحقيقة الأمر أن الشخص الذي لا يأخذ اللعب مأخذ الجد فهو يفسد المباراة، فاللعبة لها دينامياتها وأهدافها الخاصة بمعزل عن وعي أولئك الذين يلعبونها، المباراة ليست «موضوعا» في مقابل «ذات»، إنما هي حركة من الوجود محددة ذاتيا ندخل فيها وننخرط في مناخها، إن اللعبة (وليس اشتراكنا فيها) تصبح هي «الذات» الحقيقية، صحيح أن اشتراكنا هو الذي يأتي بالمباراة ويجعل منها عرضا ومثولا، غير أن ما يمثل الآن ليس ذواتنا الداخلية بل المباراة: المباراة الآن قائمة، إنها تحدث فينا ومن خلالنا.
من وجهة نظر المذهب الذاتي، فإن اللعب نشاط تقوم به ذات من الذوات، نشاط حر يشاء المرء أن يزاوله ويستخدمه لمتعته الخاصة، غير أنه عندما نسأل ماذا يكون اللعب نفسه وكيف يحدث، عندما نجعل منطلقنا هو اللعب وليس الذاتية البشرية، عندئذ يبدو للأمر وجه آخر، صحيح أن اللعب هو مجرد لعب، غير أن المباراة إذ تنعقد فهي تمتلك الزمام، إنها تنفث فينا سحرها وتجذبنا إليها وتصبح لها السيادة على اللاعب، إن للمباراة روحها الخاصة، وللاعب أن يختار اللعبة التي سوف يهب نفسه لها، ولكنه ما إن يختر حتى يدخل عالما مغلقا، هو العالم الذي تجري فيه المباراة في اللاعبين ومن خلال اللاعبين، للمباراة، بمعنى ما، زخمها الخاص، إنها تدفع نفسها قدما، إنها «تريد» أن تتم حتى النهاية!
في لعبة البردج أو في لعبة تنس أو في حالة لعب الأطفال مع بعضهم البعض، لا تعرض هذه الألعاب في العادة على متفرج، بل يلعبها اللاعبون بأنفسهم ولأنفسهم، والحق أن الرياضة حين تصبح شيئا للعرض على متفرجين بالدرجة الأساس قد تشوه وتحرف وتفقد طابعها كلعبة، ولكن ما هو الحال بالنسبة لعمل من أعمال الفن؟ ترى أين ستكون مسرحية ما إذا لم يسقط «الحائط الرابع» وينفتح للجمهور؟ عندما نلتقي بعمل فني ترانا نكون مشاركين أم ملاحظين؟ يرى جادامر أننا نظل جمهور المسرحية لا لاعبيها، إلا أن ثمة فرقا يندس هنا: فالمسرحية ليست لعبة ولكنها «تمثل/تلعب»
Played
من أجل جمهور، وبتعبير آخر نقول إن المسرحية «تعرض» غير أننا نظل نسميها
A
Play ، فالكلمة الإنجليزية تظل تعني «مسرحية» و«لعبة» في الوقت نفسه، مما يوحي بقرابة وثيقة بين المسرحية واللعبة، فكلاهما مكتف بذاته وكلاهما له قواعده الخاصة، وله دافع إلى التمام، وكلاهما يطوي اللاعبين تحت جناحه ويجعلهم في خدمة روح أكبر من روح أي لاعب واحد.