تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعد طريقة جادامر - إذن - أقرب إلى الجدل السقراطي منها إلى التفكير الحديث التقني المتلاعب، فالحقيقة عنده لا تطلب منهجيا بل جدليا، هذه الطريقة الجدلية هي في الحقيقة نقيض المنهج، وهي وسيلة للتغلب على نزوع المنهج إلى أن يشكل العقل ويصبه في قالبه ويحدد مسبقا طريقة الشخص في رؤية الأشياء، فالمنهج، إن شئنا الدقة، غير قادر على كشف حقيقة جديدة، المنهج لا يفعل أكثر من التصريح بصنف الحقيقة المضمر سلفا في داخله، في المنهج تمسك الذات الباحثة بالزمام وتقوم بالقياد والتحكم والتلاعب، أما الجدل فيترك الموضوع الذي يقابله يلقي أسئلته الخاصة التي تتعين الإجابة عنها، لم يعد الموقف التأويلي هو موقف سائل وموضوع يتوجب فيه على السائل أن يشيد «مناهج» تكفل له أن يوقع الموضوع في قبضة فهمه، بل أصبح السائل، على العكس، يجد نفسه الطرف الذي يجري استجوابه: يستجوبه «الموضوع»

Sache

ويلقي عليه أسئلته، في مثل هذا الموقف يصبح نموذج «الذات/الموضوع» مجرد تضليل، فالذات الآن قد غدت هي الموضوع، والحق أن فكرة «المنهج» نفسها لا تنشأ إلا في سياق تصور «الذات/الموضوع» الذي يصبغ الموقف التأويلي للإنسان ويعد هو الأساس الذي يقوم عليه التفكير الحديث التقني التلاعبي.

قد يسأل سائل: أليس الجدل الهيجلي هو جوهر التفكير الذاتي نفسه، أليست العملية الجلية كلها تفضي إلى الموضعة الذاتية للوعي؟ ومن الحق أن الوعي الذاتي هو في القلب من فكر هيجل، غير أن التأويلية الجدلية عند جادامر لا تقفو التصور الهيجلي عن «الروح»

Geist

إلى تأسيسها النهائي في الذاتية، فتأويلية جادامر لا تتأسس في الوعي الذاتي بل في الوجود، في الصبغة اللغوية للوجود الإنساني في العالم، وبالتالي في الصبغة الأنطولوجية للحدث اللغوي، الجدل عند جادامر ليس ارتقاء بأطروحتين متضادتين، إنه جدل بين أفق المرء وبين أفق «التراث»؛ أي ذلك الذي ينحدر إلينا، ويلاقينا، ويخلق لحظة «السلب»

Negativity

التي هي حياة الجدل وحياة التساؤل.

بذلك يتبين أن الهرمنيوطيقا الجدلية عند «جادامر» رغم صلتها الوثيقة بهيجل فهي لا تنطلق من الذاتية الباطنة في هيجل (وفي كل الميتافيزيقا الحديثة السابقة على هيدجر في حقيقة الأمر)، كذلك رغم وجود أوجه تشابه بين تأويلية جادامر وبين الجدل عند أفلاطون فهي لا تسلم بمذهب «المثل» ولا بتصور الحقيقة واللغة عند أفلاطون، تقدم هرمنيوطيقا جادامر بدلا من ذلك جدلا قائما على بنية الوجود كما فصلها هيدجر في كتاباته المتأخرة وعلى البنية المسبقة للفهم كما قدمها هيدجر في «الوجود والزمان». إن هدف الجدل عند جادامر هو هدف فينومينولوجي بشكل واضح: أن يجعل الشيء الذي نحن بصدده يفصح عن نفسه ويسفر عن وجهه، فإذا كان «المنهج» ينطوي على ضرب من المساءلة تفتح جانبا واحدا من الشيء ، فإن التأويل الجدلي يفتح نفسه لأسئلة الشيء ويتقبل أن يكون هو المسئول لا السائل ... بذلك يمكن للشيء الذي يلاقيه أن يكشف عن نفسه وعن وجوده الخاص، يقول جادامر: إن ما يجعل ذلك أمرا ممكنا هو «لغوية» الفهم الإنساني (الصبغة اللغوية للفهم) و«لغوية» الوجود نفسه في حقيقة الأمر.

2

لقد كان هذا التوجه الفكري موجودا عند هيدجر إلى حد كبير، أما الشيء الجديد الذي أضافه جادامر فهو التوكيد على الجانب النظري والجدلي (وربما الهيجلي) والتفتح الكامل لمتضمنات الأنطولوجيا الهيدجرية في مجال الاستطيقا وتأويل النصوص، لقد تلقى جادامر التصورات الهيدجرية الأساسية عن التفكير واللغة والتاريخ والخبرة الإنسانية كما سيلحظ القارئ في هذا الفصل، ومن الأهمية أن يلحظ ذلك؛ لأن الحجج التي يشتمل عليها كتاب «الحقيقة والمنهج» تعتمد بشدة على هذه التصورات، والحق أن هناك صعوبات جمة تواجه كل من يحاول فهم أفكار جادامر فهما صائبا، ذلك أن أفكاره متعالقة متواشجة بحيث لا يمكننا أن ندخل دائرته إلا تدريجيا، ومن ثم فسوف نحاول فيما يلي أن نبرز بعض الخطوط الرئيسية للطريقة التي طور فيها جادامر نظرية هيدجر في الفهم إلى نقد منطقي للاستطيقا الحديثة ومفاهيم تاريخية للتأويل. (1-1) نقد الوعي الاستطيقي

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٨١