تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ماهية الفن - إذن - تكمن لا في مجرد الصنعة والحرفية، بل في الكشف والإظهار، فكون الشيء عملا فنيا يعني أنه يفتح عالما، وتأويل العمل الفني يعني التحرك داخل الفضاء المفتوح الذي خلقه العمل واستقدمه إلى النور ، والحقيقة في الفن ليست مسألة محاكاة أو اتفاق سطحي مع شيء معطى سلفا (أي الرأي التقليدي في الحقيقة بوصفها الصوابية

Correctness ) إنها تسلط الضوء على «الأرض» بحيث يكون بوسع المرء أن يراها، وعظمة الفن، بتعبير آخر، ينبغي أن تتحدد وفقا لوظيفته الهرمنيوطيقية، وهكذا يمكننا القول بأن ما طرحه «هيدجر» في مقاله هو «نظرية هرمنيوطيقية في الفن».

15

خلاصة

تبين مما سبق أن إسهام «هيدجر» في النظرية التأويلية هو إسهام متعدد الجوانب حقا، في «الوجود والزمان» أعاد «هيدجر» صياغة تصور الفهم ذاته في سياق جديد تماما، وبذلك يكون «هيدجر» قد أحدث تغييرا في الطابع الأساسي لأي نظرية لاحقة في التأويل، لقد أعاد تعريف كلمة «هرمنيوطيقا» نفسها، فجعلها مماثلة للفينومينولوجيا كما رآها وللوظيفة الأولية للكلمات في إحداث الفهم، وفي أعماله المتأخرة اتخذ «هيدجر» تأويل النصوص منهجا خاصا به في التفلسف، معلنا نفسه فيلسوفا «هرمنيوطيقيا» بالمعنى التقليدي للكلمة، غير أن المعنى الأعمق للكلمة عند «هيدجر» هو عملية الكشف والإظهار التي بها ينكشف الوجود ويأتي إلى النور، وبهذه الطريقة الهرمنيوطيقية الصميمة قام «هيدجر» بمعالجة موضوعات اللغة والأعمال الفنية والفلسفة والفهم الوجودي نفسه.

لقد تجاوز «هيدجر» مفهوم «دلتاي» العريض عن الهرمنيوطيقا كأساس منهجي لجميع العلوم الإنسانية، فالهرمنيوطيقا عند «هيدجر» تشير إلى واقعة الفهم بما هو كذلك، لا إلى المنهج التاريخي في التأويل كمقابل للمنهج العلمي، فقد تخلى «هيدجر» عن ثنائية التاريخي-العلمي التي نذر لها دلتاي حياته بأكملها، واعتبر أن كل فهم هو شيء متأصل في الطبيعة التاريخية للفهم الوجودي، وبذلك مهد «هيدجر» الطريق لتلميذه جادامر وتأويليته الفلسفية.

الفصل التاسع

| جادامر

وهل يأبق الإنسان من ملك ربه

فيخرج من أرض له وسماء

المعري

كان حدثا فاصلا في تطور الهرمنيوطيقا الحديثة ذلك الذي وقع عام 1960م، حين صدر كتاب «الحقيقة والمنهج» لمؤلفه هانز جورج جادامر، فبين دفتي مجلد واحد قدمت مراجعة نقدية للاستطيقا الحديثة ونظرية الفهم التاريخي من منظور هيدجري أساسا، بالإضافة إلى هرمنيوطيقا فلسفية حديثة قائمة على أنطولوجيا اللغة.

لا يقارن هذا الكتاب في ثرائه ودقته الفلسفية إلا بالسفرين الجليلين الآخرين حول النظرية التأويلية اللذين كتبا في القرن العشرين ل «يواقيم فاكس»، و«إميليو بتي»، كان كل عمل من هذه الأعمال الثلاثة يضع لنفسه غاية مختلفة، ومن ثم فقد أسهم كل منها إسهامه الخاص والمتميز، أما كتاب «فاكس» القائم في ثلاثة مجلدات عن تاريخ الهرمنيوطيقا في القرن التاسع عشر فيمثل مرجعا لا غنى عنه لأي باحث جاد في الهرمنيوطيقا، غير أنه كتب في أواخر العشرينيات من القرن العشرين، ومن ثم فهو متأثر بدلتاي، ويقف بالضرورة داخل أفق تصوره للهرمنيوطيقا.

أما «بتي» فقد استعرض الأنواع المختلفة من التأويل بقصد صياغة نظرية عامة شاملة ومنهجية وتأسيس مجموعة من القوانين الأساسية لجميع صور التأويل، والتي يمكن أن تمثل القاعدة التي يقوم عليها التأويل الصحيح، ومنذ البداية جعل هذا العمل هدفه وضع منطق منظم - وليس مجرد تاريخ - لصور التأويل، وهو بذلك يعد مكملا قيما لعمل «فاكس» الأسبق، غير أن «بتي» يقف من الوجهة الفلسفية داخل التقليد المثالي الألماني، ويفترض مقدما، كبديهية لا يطالها الشك، نفس المسلمة التي وضعها هيدجر موضع الشك على نحو جذري، يرى «بتي» أن فكر هيدجر التأويلي يمثل تهديدا لفكرة الصواب الموضوعي نفسها في مجال الفيلولوجيا (فقه اللغة) والتاريخ، ومن ثم فقد بقي على جادامر من بعد بتي أن يطور النتائج المثمرة والإيجابية للفينومينولوجيا، وبخاصة فكر هيدجر، في النظرية التأويلية، كان جادامر هو من قدر له أن يشتبك بالمشكلة الفلسفية الخاصة بتأسيس أنطولوجيا جديدة لحدث الفهم. (1) نقد جادامر للاستطيقا الحديثة والوعي التاريخي

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٧٩