يترتب على ذلك أن الهرمنيوطيقا بوصفها نظرية الفهم هي في حقيقة الأمر نظرية في التكشف الأنطولوجي، وما دام الوجود الإنساني هو نفسه عملية تكشف أنطولوجي فإن «هيدجر» يأبى علينا أن ننظر إلى مشكلة التأويل بمعزل عن الوجود الإنساني، الهرمنيوطيقا عند «هيدجر» إذن هي نظرية أساسية في كيف يبزغ الفهم في الوجود الإنساني، وإن تحليله ليربط بين الهرمنيوطيقا والأنطولوجيا الوجودية، وبين الهرمنيوطيقا والفينومينولوجيا، ويرمي إلى تأسيس الهرمنيوطيقا لا على الذاتية بل على «وقائعية» العالم وعلى «تاريخية» الفهم. (3-2) الطبيعة الاشتقاقية للعبارات
ثمة نتيجة أخرى لما نحن نصدده، وهي نتيجة ذات أهمية هرمنيوطيقية، تتجلى في تناول «هيدجر» للعبارات التقريرية المنطقية، وبالتالي للمنطق نفسه، العبارة
Statement (Aussage)
عند «هيدجر» ليست شكلا أساسيا للتفسير، وإنما هي ترتكز على عمليات فهم وتأويل أكثر أساسية قائمة في «الفهم المسبق »
Pre-Understanding
وبدون هذه العمليات فإن العبارات لن يكون لها معنى.
يقدم «هيدجر» مثالا: «المطرقة (تكون) ثقيلة»
The Hammer is heavy ، ويقول إنه في العبارة نفسها ثمة طريقة مرسومة سلفا تعمل عملها - تلك هي الطريقة المنطقية - فمن قبل أي تأويل أو تحليل ظاهر فإن الموقف قد تم تشييده في حدود منطقية لكي يلائم بنية عبارة، لقد تم بالفعل تأويل المطرقة على أنها شيء ذو خصائص (الثقل في حالتنا هذه)، إن بناء جملة العبارة، بما فيها من فاعل
Subject ، ورابطة
Copulative ، ونعت إسنادي
Predicate adjective ، قد وضعت المطرقة بالفعل قبالة المرء على أنها موضوع
Object ، على أنها شيء معين يمتلك خصائص.
غير أن العمليات الأساسية لتأويل العالم لا تقوم في تقريرات منطقية وعبارات نظرية، فالكلمات في الأغلب تكون غائبة، كما هو الحال عندما يجرب المرء مطرقة ثم يتركها جانبا دون كلام، فهذا فعل تأويل ولكنه ليس عبارة، يقول «هيدجر» إن المطرقة في الأصل هي أداة «في متناول اليد»، وعندما تصبح موضوعا لعبارة فإن تشييد العبارة نفسه يحمل معه تحولا في الحالة الأصلية، تحولا من «بالمطرقة» إلى «عن المطرقة»، تحولا من الاندماج والاستعمال إلى الإسناد والإشارة، وهكذا يبرز الحضور الشيئي وتختفي الحقيقة والماهية.
إن إبراز المطرقة كشيء هو في الوقت نفسه إخفاء لها كأداة، فنحن في السياق الوجودي الأصلي نقارب المطرقة لا بوصفها موضوعا بل بوصفها أداة، فتختفي «المطرقة-الشيء» في طي وظيفة «المطرقة-الأداة»، ذلك هو المعنى الهرمنيوطيقي الوجودي للمطرقة، أما عندما نعزل المطرقة عن وظيفتها، عن السياق العلائقي الكلي المعاش، هنالك نكون قد انتقلنا من موقف الفهم المسبق إلى موقف الإشارة الموضوعية، نكون قد نفينا المطرقة من عالم المعنى ونطاق «تناول اليد» ووضعنا ظاهرة المطرقة أمامنا كمجرد شيء ننظر إليه ونتملاه.
يدعونا «هيدجر» إلى التمسك باللحظة الوجودية الهرمنيوطية وعدم التخلي عنها لمصلحة التنظير الخالص والأحكام المحضة الراكدة عند المستوى الضحل للوقائع الحاضرة الموضوعية، تهيب بنا هذه اللحظة الوجودية الهرمنيوطيقية أن ندرك ونميز أن جميع العبارات هي في حقيقة الأمر متشقة من، ومتجذرة في، المستوى الأكثر بداءة للتأويل، وأن العبارات لا يمكن أن تحمل معنى بمعزل عن جذورها في الوجود.
ولعلنا ندرك أهمية هذا التمييز إذا نظرنا إلى الطريقة التي تعالج بها اللغة اليوم في «علوم» اللغة، فهناك قصور في جميع تعريفات اللغة التي تبقى عند مستوى العبارات والمنطق ولا تتجاوزه، أو التي تنظر إلى اللغة على أنها مجرد تناول واع للعبارات والأفكار، ذلك أن الأساس الحقيقي للغة هو ظاهرة الكلام-النطق، حيث يجلب شيء ما إلى النور، هذه هي الوظيفة الهرمنيوطيقية للغة، وحين يبدأ المرء من الكلام يكون قد عاد إلى الحدث الذي تقوم فيه الكلمة بوظيفة الكلمة، يكون قد عاد إلى السياق الحي للغة، يقول جيرهارد إيبلنج مرددا وجهة نظر «هيدجر»: «إن للكلمة نفسها وظيفة هرمنيوطيقية.» والحق أن الوظيفة الهرمنيوطيقية الأولية للغة تأخذ موقعا مركزيا في فكر «هيدجر» المتأخر وفي التأويل الثيولوجي الجديد، تعني هذه النظرة إلى اللغة أن الفهم - على حد تعبير «إبيلنج» - ليس فهما للغة، بل فهما من خلال «اللغة»، وهي نظرة ذات أهمية ثيولوجية هائلة؛ لأنها تلفت انتباهنا مرة ثانية إلى الكلام المنطوق وتؤكد على وظيفة النطق.