ويضرب «هيدجر» مثالا آخر وهو يقدم لنا في هذا المثال تحليلا لأداة معينة هي العلامة (مثل علامات المرور أو لافتات الطرق أو الأعلام ... إلخ)، وأهم ما يميز العلامة هو أنها توضح النسق الكلي للأداة توضيحا تاما، فعلامة المرور مثلا توضح النسق الكلي الذي يربط سلوك المارة وراكبي السيارات وعساكر المرور ... إلخ، فإذا كانت الأداة العادية (كالقلم مثلا) غير لافتة للأنظار، نتيجة انصراف الكاتب مثلا إلى الغرض الذي يستخدم القلم من أجله لا إلى طبيعة هذا القلم كأداة، فإن «أداة العلامة» على العكس من ذلك تشد الانتباه إلى طابع الإحالة الذي توضحه أشد التوضيح، إن العلامات المحددة تحيل إلى «العالم المحيط» الذي تنتمي إليه وتيسر الانفتاح عليه، وأهم خاصية تحدد الأداة هي صلاحيتها أو قابليتها للاستخدام، والعلامة تجسد هذا الاستخدام بتوضيح السياق (أو النسق الكلي المترابط) الذي توجد فيه العلامة، بل إنها لتزيد على هذا فتوضح العالم المحيط الذي يوجد به النسق أو السياق الأداتي المترابط.
هل عرفنا الآن ما هو العالم؟ هل توصلنا إلى الطابع النوعي الذي يميزه؟ حين نحدد الأداة عن طريق الإحالة فإنما نريد بهذا أن نعين الحالة التي استقرت عليها، الغرض الذي جعلت له، ونحن لا ننظر إلى «الموجود في متناول اليد» إلا من جهة هذه الحالة التي جعل لها ودخلت في صميم تركيبه، فليست هناك أداة قائمة بمفردها مستقلة بذاتها، إنها موجودة على الدوام في إطار نسق أو سياق أداتي كلي، ويكفي أن ننظر إلى الأداة في شمولها لنعرف لأي شيء جعلت، وعلى أي وضع استقرت (مثال ذلك: الآلة-الورشة)، وهذا بدوره يحيلنا إلى الآنية؛ لأن حال الأداة يعبر عما تريده لها الآنية أو تريد بها، أي إن الغرض الذي جعلت له الأداة أصلا هو إرادة الآنية بها.
6
أشرنا - آنفا إلى أن افتقاد الشيء يوقعه في الفهم! هذه الظاهرة، ظاهرة العطل التي تضيء لحظيا وجود الأداة بما هي أداة، تشير كما شهدنا الآن إلى غموض «العالم» الذي نعيش فيه وتخفيه، هذا العالم هو أكثر من مجرد مجال العمليات العقلية الإدراكية قبل الشعورية، إنه المجال الذي نصادف فيه المقاومات والممكنات الحقيقية في بنية الوجود، فتقوم هذه المقاومات والممكنات بتشكيل فهمنا، وهو المجال الذي تتأصل فيه زمانية الوجود وتاريخيته، والمكان الذي يترجم فيه الوجود نفسه إلى معنى وفهم وتفسير، إنه، باختصار، مجال عملية التأويل، أي العملية التي يتحول فيها الوجود إلى موضوع لغوي.
وكما ذكرنا آنفا فإن الفهم يعمل في نسيج من العلاقات، وقد نحت «هيدجر» مصطلح «معنى» (أو بالأحرى التحلي بالمعنى)
Meaningfulness (Bedeutsamkeit)
كاسم للأساس الأنطولوجي اللازم لفهم هذا النسيج من العلاقات، فالمعنى، بما هو كذلك، يقدم الإمكان الأنطولوجي بأن تحتمل الكلمات دلالة معينة، وبذلك يقدم الأساس الذي تقوم عليه اللغة، إن النقطة التي يطرحها «هيدجر» هنا هي أن المعنى هو شيء أعمق من النسق المنطقي للغة، إنه قائم على شيء سابق على اللغة ومطمور في العالم - ذلك هو الكل العلائقي - فمهما تكن كثرة الكلمات التي تشكل المعنى أو تصوغه فإن الكلمات تشير إلى ما يتجاوز نسقها الخاص، إلى معنى كامن أصلا في الكل العلائقي للعالم، المعنى إذن ليس شيئا يمنحه شخص ما لموضوع ما، بل هو ما يمنحه الموضوع للشخص من خلال إمداده بالإمكان الأنطولوجي للكلمات واللغة.
يجب أن ننظر إلى الفهم كشيء مدمج في هذا السياق وإلى التأويل على أنه، ببساطة، إظهار الفهم والتصريح به، التأويل إذن ليس مسألة إلصاق قيمة بموضوع عار؛ لأن ما نواجهه ينشأ كشيء نراه أصلا في علاقة معينة، وحتى في عملية الفهم فإن الأشياء في العالم ينظر إليها «على أنها» هذا الشيء أو ذاك، وما التأويل سوى التصريح بتعبيرة «على أنها» هذه، إن أساس الفهم سابق على كل عبارة تتحدث عن موضوع، يعبر «هيدجر» عن ذلك بشكل محكم في قوله: «كل رؤية بسيطة قبل-حملية (سابقة على أي إسناد)