لتحقيق حد أدنى من الوعي بنقاوة الأسس وخلوها من الفروض المسبقة، وهو متطلب أساسي للموقف الفلسفي الحقيقي، يقدم هسرل منهجا يطلق عليه «الرد الفينومينولوجي»
Phenomenological radiation ، أو «الوضع بين أقواس» (التقويس)
Bracketing ، أو «الإبوخيه»
Epoche (وهي من الكلمة اليونانية
Epoche
التي تعني «تعليق أو توقف»
Suspension
أي ، في هذا المقام، تعليق الاعتقاد أو التوقف عن الحكم)، والإبوخيه هو قلب المنهج الفينومينولوجي، فالذي يبقى لنا بعد إطراح كل الفروض المسبقة عن الأشياء هو وحده اليقيني والضروري عن هذه الأشياء، وحقيقة الأمر أن الرد الفينومينولوجي يمر بمرحلتين: (1)
تعليق الحكم على وجود أو عدم وجود موضوعات الوعي، وبه يتسنى لنا التركيز عليها كظواهر خالصة، أي التركيز عليها كما تتراءى وتتبدى في الوعي. (2)
أن ننظر إلى هذه الموضوعات (التي تم ردها إلى ظواهر محضة) لا في جزئيتها وعرضيتها، بل في كليتها وماهيتها، بمعنى ألا نتعلق من الظواهر إلا بما هو كلي ماهوي وألا تشغلنا الظواهر إلا بوصفها عينات أو نماذج لأنماط من الظواهر، بذلك نضرب صفحا عن الجزئيات العرضية للظواهر ونضعها بين أقواس لكيما نخلص إلى الماهيات التي بها يكون الشيء ما هو وبدونها يكون أي شيء آخر، ويطلق على هذه الخطوة «الرد الماهوي» (أو الصوري)
Eidetic Reduction
لأنه يرد الظواهر إلى الخلاصة المتبقية التي تجعلها ذلك النمط بالذات أو الصنف دون غيره من الظواهر، وتشتق كلمة
Eidetic
من الكلمة اليونانية
Eidos
وتعني «صورة» أو «شكل»، وهي تلمع إلى «الصور الأفلاطونية» التي هي «ماهيات».
لكي يتسنى لنا أن نركز على الأشياء كما هي معطاة للوعي فحسب، فإن علينا أن نضع جانبا تلك المسلمات التي نسلم بها دون سؤال سواء الخاصة بنظرة الحس المشترك أو بنظرة العلم الطبيعي إلى العالم؛ لكي نخلص الوجهة إلى محتويات الوعي المحض وندرسها بحيدة ونزاهة، وما نزال معلقين الحكم على أي أفكار سالفة لنا عن محتويات الوعي، سواء تلك المتعلقة بأسبابها أو بوجودها أو بطبيعتها أو بتمثيلها (أو عدم تمثيلها) للعالم الخارجي، وبمعزل عن كل هذه الفروض المسبقة يمكننا أن ندرس كل ما يعن للذهن بوصفه موضوعا فينومينولوجيا خالصا، أي ندرسه كما يتبدى للوعي فحسب.
5
والإبوخيه لا يعني إنكار وجود العالم الخارجي (ولا إثباته)، فنحن لا نحذف الواقع الخارجي أو نقصيه أو نلغيه، وإنما نحن، ببساطة، نحيده ونضعه جانبا ونضرب عنه صفحا، وبهذه الطريقة يتمكن المرء من بلوغ الموقف الفلسفي القويم .
والفلسفة؛ إذ تبلغ هذا الموقف الفينومينولجي تجاه موضوعات الوعي، لا تشغلها هذه الموضوعات من حيث هي محتويات ذهنية معينة، بل تشغلها من حيث هي دلالات أو معان، فالإبوخيه يسلخ موضوعات الوعي الظاهرية الخالصة من وجودها أو عدم وجودها ومن كل ما هو غير جوهري لها لكي تكون ما هي، عندئذ نراها كما هي في ذاتها، كما يتعين أن تكون من أي زاوية ومن أي وجهة رأي إن كان لها أن تكون ذلك الصنف من الأشياء الذي تكونه، وهو ما نعنيه حين نقول إننا عندئذ «نرى ماهيتها»، والحق أن الفينومينولوجيا، بل كل فلسفة حقة، لتأبى إلا أن تكون «علما للماهيات»
Science of Essences
أو «علما للصور»
Eidetic Science .
هذه الماهيات مستقلة عن أي وعي فردي، وموضوعية بصفة مطلقة، وصائبة صوابا عاما شاملا، ذلك أنها تكشف لنا، في حالة مثول موضوع معين للوعي، ما يتعين أن يكون جزءا من وعي هذا الموضوع، والحق أن معرفة الماهيات هي شأن مستقل تماما عن كل أسئلة أو معرفة عن الوجود أو الواقع، فماهية أي موضوع هي أمر لا شأن له بما إذا كانت توجد بالفعل أي أمثلة لهذا الموضوع.
وهذه الماهيات «تدرك بالحدس»
Intuited