تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

4 (3) الصيغة التأويلية عند دلتاي: «الخبرة، التعبير، الفهم»

نحن نفسر الطبيعة، أما الإنسان فإن علينا أن نفهمه.

دلتاي

يقول دلتاي: «لا ينتمي علم ما إلى الدراسات الإنسانية ما لم يصبح موضوعه متاحا لنا من خلال إجراء قائم على العلاقة المنهجية بين الحياة والتعبير والفهم.» هذه الصيغة «الخبرة-التعبير-الفهم» ليست واضحة بذاتها لأن كل حد من حدودها له معنى محدد في فلسفة دلتاي، ويستحق منا وقفة استكشافية منفصلة. (3-1) الخبرة

Experience

يستخدم دلتاي لفظة ألمانية هي

Erlebnis (الخبرة المعاشة)

5

لم تكن تستخدم من قبله كاسم مفرد، وقد استخدمها بمعنى شديد الخصوصية والتحديد، ويعني بها وحدة متقومة بمعنى مشترك يجعل منها كلا مدمجا، يقول دلتاي: «ذلك الذي في مجرى الزمان يشكل وحدة في الحاضر بفضل حيازته لمعنى موحد هو الكيان الأصغر الذي يمكن أن نسميه «خبرة»، فإذا مضينا أبعد من ذلك فإن بوسع المرء أن يطلق على كل وحدة جامعة مكونة من أجزاء حياتية مدمجة معا بفضل معنى مشترك لمسار الحياة اسم «خبرة»، حتى لو كانت هذه الأجزاء العديدة منفصلة بعضها عن بعض ب «أحداث اعتراضية».»

وبتعبير آخر يمكننا القول بأن الخبرة الدالة للوحة فنية على سبيل المثال قد تشتمل على مشاهدات كثيرة للوحة منفصلة زمنيا، وتظل رغم ذلك تسمى «خبرة»

Erlebnis ، وخبرة الحب الرومانسي مثلا هي خبرة لا تقوم على لقاء واحد بل تضم أحداثا مختلفة في الزمن والمكان والنوع، غير أن وحدتها المعنوية كخبرة ترفعها خارج تيار الحياة وتضمها معا في وحدة من المعنى، أي في «خبرة».

بم تتسم هذه الوحدة من المعنى؟ يجيب دلتاي عن هذا السؤال بإسهاب كبير، ويعد فهم ذلك الشيء المسمى «الخبرة» وفهم مكوناته أمرا أساسيا لفهم تأويلية دلتاي، أولا يجب ألا نفهم الخبرة على أنها «محتوى» فعل انعكاسي (تأملي) للوعي؛ لأنها عندئذ ستغدو شيئا نحن على وعي به، بل هي الفعل ذاته، إنها شيء نحيا فيه وخلاله، إنها الموقف نفسه الذي نتخذه تجاه الحياة ونعيش فيه، إنها الخبرة بما هي كذلك، الخبرة كما هي معطاة في المعنى قبل أي تأمل انعكاسي، وبوسع الخبرة أن تصبح فيما بعد موضوعا للتأمل، ولكنها عندئذ لا تعود خبرة مباشرة، بل موضوعا لفعل آخر من أفعال المواجهة، الخبرة إذن ليست موضوعا للوعي بقدر ما هي فعل للوعي، وينبغي ألا نتصورها كشيء يقف الوعي بإزائه ويعيه.

يعني ذلك أن الخبرة لا تدرك، ولا يمكن أن تدرك، نفسها بشكل مباشر؛ لأنها عندئذ ستكون فعلا انعكاسيا للوعي، والخبرة ليست «معطى» من معطيات الوعي، لأنها عندئذ ستكون واقفة بإزاء «ذات» بوصفها «موضوعا» مقدما إليها، الخبرة إذن توجد قبل انفصال «الذات-الموضوع»، ذلك الانفصال الذي يعد هو نفسه نموذجا يستخدمه الفكر الانعكاسي (التأملي)، الخبرة في حقيقة الأمر ليست متميزة عن الإدراك أو الفهم نفسه، وكلمة

Erlebnis

تمثل ذلك الاتصال المباشر بالحياة الذي يمكن أن نسميه «الخبرة المعاشة المباشرة».

من المتعين أن يكون التحليل الوصفي لهذا العالم الرواغ السابق على الفكر الانعكاسي هو الأساس لكل من الدراسات الإنسانية والعلوم الطبيعية، غير أنه مهم بصورة خاصة للدراسات الإنسانية؛ ذلك أن مقولات الفهم الإنساني والتأويلي نفسها يجب أن تستمد منه، هذا العالم من الوعي قبل الانعكاسي هو بالضبط ما سيدخر لكي تظفر به فينومينولوجيا هسرل وهيدجر، فبينما كان دلتاي يسعى لإنجاز مشروعه المنهجي بانسجام شديد مع فلسفة الحياة عنده، وفيما كان يفصل فصلا واضحا بين مجرد «التفكير» وبين «الحياة» (أو الخبرة) «كان في الحقيقة يؤسس القواعد لفينومينولوجيا القرن العشرين».

على أنه من الخطأ الفادح أن نتصور أن الخبرة تشير إلى ضرب من الواقع الذاتي لا أكثر؛ لأن الخبرة هي بالتحديد ذلك الواقع الذي يتمثل لي قبل أن تغدو الخبرة موضوعية (وتفترض من ثم انفصالا عن الذاتي)، هذه الوحدة الأولى هي ما يريد دلتاي أن يصوغ منه مقولات يرجى لها أن تضم (لا أن تفصل) الشعور والمعرفة والإرادة (وهي العناصر الملتئمة معا في الخبرة)، مقولات من قبيل «القيمة»، «المعنى»، «العلاقة» ... وقد لاقى دلتاي صعوبات كبيرة في صياغة هذه المقولات، غير أن المهمة بحد ذاتها هي على أعلى درجة من الأهمية، كان اختيار دلتاي محكوما بهدفه في بلوغ «معرفة ذات صواب موضوعي»، وهذا الهدف بالتحديد هو ما فرض على تفكيره حدودا وقيودا لا داعي لها، غير أننا لا يسعنا إلا الإعجاب بسعيه الدءوب من أجل مقولات تعبر عن «حرية الحياة وحرية التاريخ»، إن استبصاره المثمر إنما يكمن في رؤية الخبرة كمجال سابق على الذات والموضوع، مجال يقدم لنا العالم وخبرتنا بالعالم معا في آن، لقد رأى بوضوح فقر نموذج «الذات-الموضوع» كنموذج لالتقاء الإنسان بالعالم، وعاين بوضوح سطحية الفصل بين المشاعر والموضوعات، والفصل بين الإحساسات والفعل الكلي للفهم، يقول دلتاي بتهكم وازدراء: «نحن نعيش ونتحرك لا في عالم من الإحساسات بل في عالم من الموضوعات التي تقدم نفسها إلينا، لا في عالم من المشاعر بل في عالم من القيم والمعاني.» ومن الممتنع وغير المعقول أن نفصل إحساسات المرء ومشاعره عن السياق الكلي للعلاقات المتضامة معا في وحدة الخبرة.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٣٥