ولتجنب التأويل المبتسر والخاطئ هناك عاملان يجب أن يكونا في حالة نشاط دائم؛ أولا: اتخاذ موقف ارتياب موصول، ارتياب في الارتياب، و«انفتاح» مستمر على طريقة ريكور، ثانيا: وبنفس الدرجة من الأهمية، الحركة الصحيحة تجاه تحديد رسالة النص الإنجيلي، هنا نجد أن هرمنيوطيقا ريكور تتخبط ولا تسعفنا بشيء؛ وذلك بسبب اعتقاده الخاطئ بأن النص والمؤلف ينفصلان فور الكتابة، وأن قصد المؤلف من ثم لا يمكن، حتى من حيث المبدأ، الوصول إليه، الأمر الذي أدى إلى التماس المعنى في عالم يتفتح «أمام النص».
تحت هذه الظروف التأويلية لا فكاك من الوقوع في النسبية والذاتية اللتين تفتحان المجال للقارئ أن يملي على النص ما يريده، ويفرض على النص المعنى الذي يحبذه، وهكذا ينتهي الأمر بهرمنيوطيقا الارتياب، التي جهدت لكي تخلق توازنا بين «التفسير» و«الفهم» أو بين العلم والفن، إلى أن تسقط لا محالة في جانب الفن، والانفتاح الأبدي واللاحسم الذي يميز الفن، إن هرمنيوطيقا الارتياب هي بحاجة ماسة إلى أن تكملها وتوازنها هرمنيوطيقا أخرى تدرك أن النصوص المكتوبة تمثل تعبيرات صحيحة عن مقصد مؤلفها، وأن بالإمكان وضع مبادئ ترشد القارئ إلى هذا المقصد، وعلى الهرمنيوطيقا كعلم وفن معا أن تكون أكثر من دائرة تأويلية أبدية لا تنتهي، وأن تسعى نحو الانغلاق الذي ينتهي به مسار اللولب، لا شك أن هرمنيوطيقا الارتياب تسهم بنصيب في هذا المسار، بيد أنها غير قادرة بمفردها على إتمام هذه المهمة.
تذييل
محاورة أيون
11
سقراط :
مرحبا يا أيون، هل أنت من أهل مدينة إفيسوس؟
أيون :
لا يا سقراط، بل من إبيدوروس حيث حضرت مهرجان أسكليبوس.
سقراط :
وهل يقيم الإبيدوريون مسابقات قصيد ملحمي في المهرجان؟
أيون :
نعم ويقيمون مسابقات لكل ضروب الأداء الاستعراضي.
سقراط :
وهل كنت من بين المتنافسين؟ وهل فزت؟
أيون :
لقد فزت بالجائزة الأولى على الجميع يا سقراط.
سقراط :
مبروك، وآمل أن تشرفنا أيضا في الباناثينيا.
أيون :
وسوف أفعل بعون السماء.
سقراط :
كثيرا ما أحسد مهنة الراوي يا أيون، ذلك أن عليك أن ترتدي دائما أبهى الثياب، وأن جزءا من فنك أن تبدو في أجمل صورة، كما أن عليك دائما أن تكون في صحبة العديد من الشعراء المجيدين، وبخاصة هومر وهو أفضلهم وأكثرهم ألوهة، وإن «فهم» هومر، وليس مجرد حفظ كلماته عن ظهر قلب، لشيء يحسد عليه المرء حقا، ولن يتسنى لإنسان أن يكون راوية قصائد ملحمية ما لم «يفهم» المعنى الذي يرمي إليه الشاعر؛ لأن الراوية ينبغي عليه أن «يؤول» عقل الشاعر لمستمعيه، وما كان له أن يؤوله حق تأويله ما لم يعرف ما يعنيه، وإن كل ذلك لمن أدعى دواعي الحسد والغبطة .
أيون :
لقد أصبت كبد الحقيقة يا سقراط، فما زال «التأويل» هو أصعب جوانب فني بكل تأكيد، وإنني لأرى في نفسي القدرة على أن أتحدث عن هومر أفضل من أي شخص آخر: فلا ميترودوروس من لامبساكوس، ولا ستيسيمبروتوس من ثاسوس، ولا جلوكون، ولا أي شخص كان، يعرف عن هومر ما أعرفه كما أو كيفا.
سقراط :
إنني سعيد أن أسمع ذلك منك، وما أظنك تحجب عني هذه المعارف.
أيون :
بكل تأكيد يا سقراط، وإن عليك حقا أن تسمع كيف أقدم هومر تقديما متقنا ... أرى أن من اللائق أن يكللني الهومريون بتاج ذهبي.
سقراط :
ستكون لدي فرصة لسماع إتحافاتك الهومرية في وقت آخر، أما الآن فأود أن أسألك سؤالا: هل يمتد فنك إلى هزيود وأرخيلوخوس أو يقتصر على هومر وحده؟
أيون :
يقتصر على هومر، فهو في ذاته كاف تماما.
سقراط :
هل هناك من شيء يتفق فيه هومر وهزيود؟
أيون :
نعم، هناك الكثير فيما أرى.
سقراط :
وهل أنت أقدر على تأويل ما يقوله هومر أو على تأويل ما يقوله هزيود عن هذه الأشياء التي يتفقان فيها؟
أيون :
بوسعي أن أؤول الاثنين بنفس الإجادة في المواضع التي يتفقان فيها.