تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تفهم وضعية كونت حق الفهم إلا في ضوء نقيضها، أي في استحضار الخصم الذي كانت هذه الفلسفة تواجهه، فقد جاءت كرد فعل واع على الاتجاهات النقدية الهدامة في فرنسا وألمانيا، فوصفت مذهب هيجل مثلا، بسبب قوامه النقدي، بأنه فلسفة سلبية تنفي أي واقع لا معقول، وتحاول قياس الواقع وفق معايير العقل المستقل، وهو تحد للنظام القائم وبحث عن إمكانيات الأشياء من دون معرفة واقعها الفعلي؛ لأنها تقتصر على الصور المنطقية ولا تصل إلى العمق الفعلي الذي لا يمكن استنتاجه في هذه الصور، إن الفلسفة السلبية، نظرا إلى بنائها التصوري، «تنفي (أو تنكر) الأشياء على ما هي عليه، فالأمور الواقعة التي تؤلف الوضع القائم، أو الحالة الراهنة، حين ينظر إليها في ضوء العقل، تصبح سلبية محدودة عارضة، أي تصبح صورا زائلة داخل عملية شاملة تؤدي إلى تجاوزها.»

4

ويتجلى الارتباط بين وضعية القرن التاسع عشر والوضعية المحدثة في توجيه الفكر نحو الأمور الواقعة ورفع مكانة التجربة بحيث تصبح هي المعيار والفيصل في كل معرفة.

هكذا يرى ماركوز أن اسم الوضعية (الإيجابية) اسم سجالي، أي لا يمكن فهمه إلا في سياق خلافي واختلافي، أي لا يفهم إلا باستحضار الخصم الذي يحاربه، حينئذ يتبين للمرء أنه نحت للدلالة على ذاك التحول من نظرية فلسفية إلى نظرية تريد أن تكون علمية، فحلول الملاحظة محل التأمل في علم الاجتماع عند كونت يعني تأكيد النظام بدلا من أي خروج على النظام، وهو يعني سلطة القوانين الطبيعية بدلا من الفعل الحر، والتآزر بدلا من اختلاف النظام.

ينعت ماركوز الوضعية في موضع آخر بأنها فلسفة أحادية البعد، تعكس تطور المجتمع الأحادي البعد الجديد وأشكال الرقابة التكنوقراطية فيه، ثمة إذن طبع أيديولوجي ملازم لكل جنوح وضعي وتطرف علمي، فربط صدق الفكر والمعرفة باختبارهما الواقعي، وجعل العلوم الفيزيائية نموذج اليقين والدقة، والاعتقاد بأن تقدم المعرفة منوط بالاحتذاء بذلك النموذج، كلها علامات على انتصار معايير الواقع التكنولوجي حيث يتحول العالم إلى عالم أدوات ومنافع ومصالح؛ لذا فإن ما يميز الحضارة الصناعية المتقدمة ويشهد على التقدم التقني هو الرفاه والفعالية وافتقاد الحرية الفردية، «وهل ثمة ما هو أكثر عقلانية من إلغاء الفردية عن طريق ميكنة الأعمال الضرورية اجتماعيا والشاقة رغم ذلك؟»

5

إن لغة الفعالية والإنتاجية هي لغة النظام التكنولوجي، وحتى الحقوق والحريات التي كانت عوامل أساسية في المراحل الأولى من المجتمع الصناعي تقل أهميتها وحيويتها في مرحلة أكثر تقدما، وتفرغ من مضمونها التقليدي: «فقد كانت حرية الفكر والكلام والضمير - شأنها شأن المشروع الحر الذي كانت تخدمه وتذود عنه - تهدف، وهي المكونة في جوهرها من أفكار نقدية، إلى ترك ثقافة مادية وفكرية بالية وتبني ثقافة أخرى أكثر فعالية وعقلانية، وعندما أخذت تلك الحريات والحقوق صفة المؤسسات، شاطرت المجتمع الذي أصبحت جزءا لا يتجزأ منه، مصيره، وبكلمة واحدة، إن الإنجاز يموه المقدمات.»

6

يصف ماركوز المجتمع الصناعي المعاصر بأنه مجتمع يضفي صفة العقلانية على اللاعقلانية، باعتباره مجتمعا تسنده حضارة منتجة، ناجعة، قادرة على زيادة الرفاه وعلى إضفاء صفة الحاجة على ما هو زائد على الحاجة، وتحويل ما هو كمالي إلى ضرورة، وما هو هدمي إلى بناء! وبمقدار ما تحول الحضارة القائمة عالم الشيء إلى بعد للجسم والروح الإنسانيين، يصبح مفهوم الاستلاب بالذات إشكاليا، فالناس يتعرفون على أنفسهم في بضائعهم، ويجدون جوهر روحهم في سيارتهم وجهازهم التلفزيوني الدقيق الاستقبال، وفي بيتهم الأنيق وأدوات الطهي الحديثة، إن الآلية التي تربط الفرد بمجتمعه قد تبدلت هي نفسها، والرقابة الاجتماعية تحتل مكانها في قلب الحاجات الجديدة التي ولدتها.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ١١٩