فالأعمال الفنية على تباينها الشديد تتحلى جميعا بالشكل الإستطيقي مهما غمض مفهومه.
والأعمال الفنية جميعا تتطلب أن نتخذ إزاءها «الموقف الإستطيقي» أي التقدير المنزه عن الغرض العملي.
وهي جميعا تفضي إلى الانفعال الإستطيقي.
وتعد جميعا مصدرا لصنف خاص من المعرفة.
ليس ثمة تعارض بين هذه السمات العامة، وليس هناك ما يمنع في واقع الأمر من أن تكون جميعا صحيحة، والحق أنها قد تسهم جميعا في تفسير واحد لتلك المكانة الكبيرة التي يحظى بها الفن في حياتنا، وحين اختزل كلايف بل الصفات المشتركة بين الأعمال الفنية في صفة واحدة هي «الشكل الدال» فقد جمع كل هذه الصفات وكثيرا غيرها في صفة واحدة تضمها جميعا وتفعمها بالمغزى وتعلو عليها في الوقت ذاته، وهو ما سيتكشف لنا على مهل خلال الفصول التالية.
الفصل الثاني
| الموقف الإستطيقي
Aesthetic Attitude
علمه أن يسدد حبه إلى قلب الأشياء، ويسرح أشواقه في طوايا الحق.
في هذا «العالم الثالث» بتعبير بوبر، العالم الذي برأه الإنسان وخلقه، ألتقي بنفسي الحقيقية، وأعيش عمري الحقيقي، وأعثر على دهشتي المسروقة، ويسمح لي، لدقائق محسوبة، أن ألتقي بدموعي السجينة.
وارني عن اسمي، وإلا رأيته ولم ترني.
النفري (1) الموقف ... وإدراك العالم
إن ما ندركه ونخبره ونحسه لا يتوقف فحسب على ما هو موجود في بيئتها، بل يتوقف أيضا على اهتمامنا وانتباهنا الانتقائيين (بالإضافة إلى قدراتنا الذهنية الخاصة في التأويل والتصنيف)، وقد كانت الفكرة السائدة قديما هي أن الكائنات الإنسانية كائنات تستقبل كل المنبهات البيئية الخارجية بطريقة سلبية آلية ولا تفلت منها أي منبه. ومن الثابت الآن أن هذه الفكرة قاصرة بل مغلوطة ومضللة، فالحق أن «الموقف» الذي نتخذه في حياتنا بصفة عامة وفي كل لحظة آنية بصفة خاصة يتحكم في طريقة إدراكنا للعالم وللأشياء من حولنا. و«الموقف»
attitude (الاتجاه) هو طريقة في توجيه إدراكنا وضبطه، فنحن لا نلتقط كل شيء في بيئتنا دون تمييز، وإنما نحن «ننتبه»
attend
إلى بعض الأشياء ونركز على بعض السمات بينما نتجاهل غيرها ولا ندركها إلا بطريقة غائمة باهتة أو لا ندركها على الإطلاق. من خصائص الانتباه إذن أنه انتقائي يجتبي ما يعنيه من المنبهات الخارجية ويضرب صفحا عن غيرها، بل ينفي هذا الغير عن ساحة الوعي بطريقة قاطعة وآليات نشطة.
إن الأغراض التي نضمرها لحظة الإدراك هي التي تتحكم في تحديد ما نختاره لكي ننتبه إليه، فأفعالنا هي دائما غرضية تتجه نحو هدف ما؛ ولذا فإنه عندما تكون للأفراد أغراض مختلفة فإنهم يدركون العالم على أنحاء مختلفة، بحيث يقر أحدهم أمورا معينة يتجاهلها غيره أو ينكرها، ذلك أن الاهتمام أو الموقف هو الذي يرشد الانتباه في اتجاهات ذات صلة، ويهيئ الكائن إلى أن يسلك بطريقة فعالة، ويحجب في الوقت نفسه تلك المنبهات التي لا تتصل بغرضه وربما تشتت جهوده وتبددها، فالطالب الذي يستغرق في حل مسألة رياضية، على سبيل المثال، يولي كل اهتمامه إلى العناصر المتصلة بهذه المسألة، ويصرف انتباهه بشكل حاسم عن كل منبهات البيئة ولا يكاد يدرك منها شيئا، بل إن الموقف الفكري والأيديولوجي ليتحكم في طريقة الإصغاء إلى الأشياء وهيئتها المدركة، ويشحن الانتباه في اتجاهات معينة ويصرفه عن المضي في اتجاهات أخرى. (2) الموقف العملي والاقتصاد الإدراكي
نخلص من ذلك إلى أننا في حياتنا اليومية المعتادة نتخذ دائما موقف «الإدراك العملي»، فلا ندرك الأشياء إلا بوصفها وسيلة إلى غاية أو غرض يتجاوز تجربة الإدراك ذاتها؛ ومن ثم فنحن نجتزئ بإدراك ما يكفي لإنجاز الغرض العملي؛ فقد علمتنا الحياة العملية أن «نقتصد» في الإدراك، وننظر إلى الأشياء والأشخاص بالقدر الذي يكفي لتمييزهم، وكأننا في الحقيقة لا نرى الأشياء ذاتها بل نقرأ بطاقات الأشياء لنعرف على الفور كيف نسلك إزاءها، أو ننظر إلى الشيء لنرى فيه «النمط»