ينصرف النساء والرجال الذين اهتزوا من فورهم للدلالة الإستطيقية الخالصة لأحد الأعمال الفنية، ويمضون إلى الحياة الخارجية وهم في حالة من الإثارة والطرب تجعلهم أكثر حساسية لكل ما يجري حولهم، وهكذا يدركون بحدة زائدة معنى الحياة وإمكانها، وليس من المستغرب أنهم لا بد أن يتأولوا هذا الحس الجديد بالحياة ويقرءوه في ذلك الشيء الذي أنتجه، لا بأس بذلك الفعل على الإطلاق، ولن أنازعهم في شأنه، فأن تتحرك مشاعرك للفن أهم بكثير من أن تعرف على وجه التحديد ما الذي يحركها، فقد أريد أن أذكرهم رغم ذلك بأنه إذا كان الفن لا يعدو ما يتخيلون أحيانا أنه الفن، لما كان له أن يحرك مشاعرهم بهذه الطريقة، إذا كان الفن مجرد إيعاز بمشاعر الحياة فلن يمنح العمل الفني لكل شخص أكثر مما جلبه كل شخص معه، إنما يحركنا الفن بهذا العمق وهذه السرية لأنه يضيف إلى خبرتنا الانفعالية شيئا ما جديدا، شيئا يأتي لا من الحياة البشرية بل من الشكل الخالص، أما أن الفن بالنسبة للكثيرين لا يكتفي بإضافة شيء جديد بل يبدو أنه يغير القديم ويثريه، فهو أمر مؤكد ولا يدعو إلى أدنى ابتئاس. •••
أطلقوا يد الفنان.
ها هو شيء يمكن أن يفعله للفن أولئك النفر ذوو النفوذ والشأن الذين يؤكدون دائما أنهم يودون أن يقدموا للفن أي شيء. •••
إذا كان المجتمع الشيوعي العظيم عاقدا العزم على إنتاج الفن - والمجتمع الذي لا ينتج الفن الحي مجتمع ملعون - فهناك شيء واحد، وواحد فقط، يستطيع أن يفعله، اضمن لكل مواطن، سواء أكان يعمل أم كان متبطلا، مجرد حد أدنى من العيش، ولنقل ستة بنسات في اليوم وفراشا في منيم عام، اجعل الفنان شحاذا يعيش على الإحسان العام، وامنح العاملين العمليين المجتهدين تلك الأشياء التي يحبونها؛ الرواتب الكبيرة، ساعات عمل قصيرة، المكانة الاجتماعية، المباهج المكلفة، واعط الفنان كفافه وأدوات عمله، لا تطالبه بشيء، واجعل حياته من الناحية المادية بائسة بحيث لا تجذب أحدا، بذلك لن يلجأ أحد إلى الفن عدا أولئك الذين يسكنهم الروح الحارس المقدس حقا لا ريب فيه، واجعل للجميع خيارا بين حياة الوظيفة المرموقة السلسلة العالية الأجر وحياة المتشرد المزرية، ليس لدينا شك يذكر حول اختيار الأغلبية، وليس لدينا شك على الإطلاق حول اختيار الفنان الحقيقي. إن الشبه كبير جدا بين الفن والدين، وفي الشرق، حيث يفهمون هذه الأشياء، كان هناك دائما انطباع بأن الدين يجب أن يكون شأن هواية. إن دعاة الهند شحاذون، فليكن فنانو العالم جميعا شحاذين أيضا. الفن والدين ليسا حرفتين، ليسا مهنتين يمكن أن يؤجر عليهما الناس. إن الفنان والقديس يفعلان ما يجب عليهما أن يفعلا، لا كسبا للعيش، بل امتثالا لضرورة سرية، إنهما لا ينتجان ليعيشا، بل يعيشان لينتجا، ولا مكان لهما في نظام اجتماعي يقوم على نظرية أن ما يصبو إليه الإنسان هو حياة ممتدة ممتعة، ليس بإمكانك أن تسلكهما في الآلة، بل يجب عليك أن تجعلهما غريبين عنها، يجب أن تجعلهما منبوذين، ذلك أنهما ليس جزءا من المجتمع، بل ما ملح الأرض. •••
يقال أحيانا، بحجج معقولة: إن الشعب المرهف الحس لن تكون به حاجة إلى المتاحف، ويقال إن من الخطأ أن تذهب في طلب الانفعال الإستطيقي، وأن الفن يجب أن يكون جزءا من الحياة، شيئا شبيها بجرائد المساء أو فاترينات المحال التجارية التي يستمتع بها الناس وهم ماضون في شئونهم، ولكن إذا كانت الحالة الذهنية لشخص يدلف إلى صالة عرض طلبا للانفعال الإستطيقي هي حالة غير مرضية بالضرورة، فبالمثل تكون حالة الشخص الذي يجلس ليقرأ شعرا، يغلق عاشق الشعر باب غرفته ويلتقط مجلدا لملتون وقد عقد النية على أن يخرج نفسه من عالم ويدخلها في عالم آخر. إن شعر ملتون ليس جزءا من الحياة اليومية، وإن يكن عند البعض مما يجعل الحياة اليومية محتملة. إن قيمة الصنف الرفيع من الفن لا تتمثل في قدرته على أن يصبح جزءا من الحياة العادية بل في قدرته على أن يخرج بنا منها. أعتقد أن وليم موريس هو الذي قال إن الشعر يجب أن يكون شيئا يستطيع إنسان أن يخترعه ويغنيه لرفاقه بينما هو يعمل على النول، لعل كثيرا جدا مما كتبه موريس قد اخترع أيضا بهذه الطريقة، ولكن لكي تخلق الفن الأعظم وتدركه فإن أقصى درجات الانفصال عن شئون الحياة تغدو أمرا ضروريا، ومثلما أن الرجال والنساء عبر العصور كانوا يذهبون إلى المعابد والكنائس بحثا عن نشوة لا صلة لها بمشاغل الحياة والكدح البشري، كذلك قد يذهبون إلى معابد الفن لكي يخبروا، خارج هذا العالم بعض الشيء، انفعالات تنتمي إلى عالم آخر. إن المتاحف والصالات تغدو مؤذية لا عندما تكون حرما نلوذ إليه من الحياة، حرما مكرسا لعبادة الانفعال الإستطيقي، بل عندما تكون فصولا ومعاهد بحث ومستودعات للتراث المنقول. •••