تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

paradigm

تجعل العلماء بالفعل يشاهدون عالم أبحاثهم الخاصة بطريقة مختلفة تماما عن ذلك العالم الذي كانوا ينتمون إليه من قبل.»

ذلك أن الإحساس البصري المحض، على المستوى الذري، لا يقدم أثناء المشاهدة أكثر من بقع فسيفسائية مبعثرة، ثم يأتي «النموذج» أو «الجشطلت» - وهو شيء محمل بالنظرية

theory laden

أو هو نظرية - فيضفي هيئة ومعنى ووضعا بعينه على هذا الإحساس الغفل، وإن ظواهر شهيرة مثل «تبدل الأمامية/الخلفية» ومثل «التحول الجشطلتي» لتبين بوضوح أن رؤية منظر ما بطريقة أو بأخرى يتجاوز كثيرا مجرد الإحساس الغفل؛ فالتأويل المسترشد بنظرية من شأنه أن يغير الخبرة ذاتها.

الفصل الثامن

| الفرضية الميتافيزيقية

الفن هو أعم وأبقى صور التعبير الديني جميعا، فما من أداة أخرى لنقل الانفعال قد أسعفت الإنسان مثلما أسعفه الفن، وما من فيض من طرب الروح إلا هو واجد في الفن قناة تتولاه وتحدوه.

كلايف بل

الفن بعامة هو، بالضبط، تعبير، لا عن الأشياء، بل عن نشوة الجسد-الحياة في التحامها بمعنى العالم وأسراره عبر الأشياء.

أدونيس

ما غروب الشمس يعطي فكرة

عنك بل نكهة أن ثم غروب

سعيد عقل

يفرق كلايف بل تفريقا حاسما بين نطاق الإستطيقا ونطاق الميتافيزيقا، وبينما هو يؤكد ثقته الكبيرة في فرضيته الإستطيقية (وهي أن الخاصية الجوهرية في العمل الفني هي الشكل الدال؛ أي ضروب معينة من حبكة الخطوط والألوان من شأنها أن تثير في المتلقي وجدا إستطيقيا) فإنه يدفع بفرضيته الميتافيزيقية بتحفظ وحذر، ويؤكد مرارا وتكرارا أنها مجرد احتمال لا يبلغ مرتبة اليقين على الإطلاق، من ذلك مثلا ما قاله في فصل «الفن والتاريخ» بالنص الحرفي: «لقد كانت فرضيتي الإستطيقية (أن الصفة الجوهرية في أي عمل فني هي الشكل الدال) قائمة على خبرتي الإستطيقية، وأنا من خبرتي الإستطيقية على ثقة. أما عن فرضيتي الثانية (أن الشكل الدال هو التعبير عن انفعال خاص تجاه الواقع) فلست واثقا منها بحال.»

لماذا تتأثر مشاعرنا كل هذا التأثر حيال ضروب معينة من تضام الأشكال؟

هذا سؤال ميتافيزيقي.

إنه سؤال شائق للغاية ولكنه خارج عن الموضوع، فليس لنا في الإستطيقا المحضة أن ننظر فيما سوى انفعالنا وموضوعه، إننا «في حدود أغراض الإستطيقا ليس من حقنا، ولا هو من الضروري، أن ننبش وراء الموضوع في الحالة الذهنية للذي صنعه، ولسوف أحاول لاحقا أن أجيب عن هذا السؤال حتى يتسنى لي أن أقول كلمتي في علاقة الفن بالحياة، غير أنني لن أوهم نفسي عندئذ أن ذلك تتمة لنظريتي الإستطيقية، فكل ما يلزم في مبحث الإستطيقا هو أن أثبت فحسب أن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة وغامضة، فهي تحرك مشاعرنا فعلا بطريقة معينة.»

1

يبدو ممكنا في رأي كلايف بل أن الشكل المبدع يهزنا بهذا العمق؛ لأنه يعبر عن انفعال مبدعه ويوصل إلينا هذا الانفعال؛ أي إن من المحتمل أن يكون التعبير عن انفعال هو ما يمنح العمل الفني تلك القدرة على إثارة الوجد الإستطيقي. فتجاه أي شيء إذن يشعر الفنان بذلك الانفعال الذي يفترض أنه يعبر عنه؟ يبدو من وجهة نظر بل أن الفنان في لحظات إلهامه يحس انفعالا تجاه الأشياء بوصفها «أشكالا خالصة»؛ أي بوصفها غايات في ذاتها، لا بوصفها وسائل ملفعة بالارتباطات؛ أي إن الفنان في لحظة الرؤية الإستطيقية يرى الأشياء مبرأة من كل ضروب الاهتمام السببي والطارئ، ومن كل ما يمكن أن تكون قد اكتسبته من طيلة صحبتها لبني البشر، ومن كل دلالة لها كوسيلة؛ ومن ثم يحس دلالتها كغاية في ذاتها.

وحين يتحدث بل عن دلالة الشيء بوصفه غاية في ذاته، فإنه يقترب كثيرا من مفهوم المثاليين عن «الشيء في ذاته» (النومين) أو عن «الواقع النهائي»

ultimate reality ،

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفن · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دلالة الشكل: دراسة في الإستطيقا الشكلية وقراءة في كتاب الفنص ٢٤