model
إلا عن طريق عنوان اللوحة، غير أن هذا أمر لا أهمية له، وكما يقول ليجيه
léger «إن السؤال: ما الذي يمثله هذا؟ هو سؤال لا معنى له.» والمهم في الأمر هو خلق تصميم هندسي يتميز في صميمه بأنه يجذب العين ويأسرها، وأخيرا تم التخلي عن أية علاقة ولو واهية بالواقع؛ ففي الفن «اللاموضوعي» مثل فن كاندينسكي
Kandinsky
وموندريان
Mondrian
و«التفوقيين»
Superematists
لا يوجد موضوع للتصوير على الإطلاق؛ فاللوحة إنما هي تشكيل من الخطوط الملونة والأقواس وغيرها من الأشكال، وهي لا تصور أشياء أو أشخاصا، ومن هنا كان الفنان يضع لها عناوين مثل «خط محوري» أو «تكوين بالأبيض والأسود والأحمر»، يقول كاندينسكي: «إن الفنان يحرر نفسه من الموضوع؛ لأن الموضوع يحول بينه وبين التعبير عن نفسه بالوسائل التصويرية الخالصة وحدها.»
6
الفصل الخامس
| المحاكاة والتمثيل
ما كان الفن فنا إلا لأنه ليس بالطبيعة.
جوته
إن قيمة الصنف الرفيع من الفن لا تتمثل في قدرته على أن يصبح جزءا من الحياة العادية، بل في قدرته على أن يخرج بنا منها.
كلايف بل
ما سرني أنني حكيت إنسانا.
1
حديث شريف
في كتابه البعيد الأثر «الشعر»
Poetica ، عرف أرسطو التراجيديا بأنها «محاكاة»
mimesis
لشخصيات معينة أو أفعال بشرية معينة، فقد لاحظ أرسطو أن الناس يمتعها أن تقلد وأن تشاهد تقليدات ناجحة، ومنذ ذلك الحين أصبح عامة الجمهور يعتقدون أن الوظيفة الرئيسية للفن هي محاكاة الواقع، وأصبح تصور الفنان في ذهن الناس هو ذلك الشخص الذي لديه القدرة على محاكاة الواقع؛ أي صنع نسخ طبق الأصل لما يجري بالحياة، ويبلغ الفن ذروته في نظرهم إذا استطاع أن يوهمنا أنه واقع، وهو ما لاحظه الكاتب الروماني بليني عن الرسام زيوكسيس الذي «رسم صورة لعناقيد عنب بلغت من الحذق في التمثيل مبلغا جعل العصافير تسف لكي تأكل من كروم اللوحة.»
2
وهو أيضا ما أفضى به ليوناردو دافنشي بصريح العبارة حين قال «إن أعظم تصوير هو الأقرب إلى الشيء المصور.»
وما يزال العامة في كل مكان يثنون على الأعمال الفنية لأنها شبيهة بالحياة أو «واقعية»، وما يزالون يعتبرون الفن مرآة للطبيعة، ويرون اللوحات الفنية وسيلة «إيهام»
illusion
يصطنعها المصورون حتى يجعلوا الناظر يتوهم أنه يرى الطبيعة نفسها حين لا يكون أمامه سوى مسطح من الألوان والخطوط والأشكال، وخلال تاريخ الفن بذلت جهود كبيرة لاستحداث أساليب تزيد من قوة التشابه مع الواقع؛ ففي عصر النهضة المتقدم، على سبيل المثال، كرس قدر كبير من التصوير للتغلب على مشكلات المنظور، بحيث يمكن تحقيق الشكل ذي الأبعاد الثلاثة على قماش ذي بعدين، وفي القرن التاسع عشر، عندما كانت هذه المشكلات قد حلت إلى حد بعيد، بذلت جهود كبيرة في حركة الانطباعية من أجل التعبير بدقة عن تألق الضوء على السطوح الملونة.
3 (1) محاكاة الكلي
من الجدير بالذكر أن المحاكاة التي نادى بها أرسطو تختلف اختلافا بعيدا عن «المحاكاة البسيطة» التي تنسب (خطأ) إلى أفلاطون،
4
إن المحاكاة عند أرسطو هي محاكاة انتقائية خلاقة، تعبر عن «الكلي» بحق في التجربة البشرية ولا تكتفي بالترديد الحرفي للمجرى المألوف للتجربة، فليس من مهمة الشاعر، في رأي أرسطو، أن يروي ما حدث، فالشعر أقرب إلى الروح الفلسفية من التاريخ وأرفع منه؛ إذ إن الشعر يتجه إلى التعبير عن الكلي، بينما التاريخ يعبر عن الجزئي؛ فالتراجيديا مثلا لا تكتفي بأن تكشف لنا عما يحدث لأوديب، ذلك الإنسان الجزئي أو الخاص، وإنما تبين ما يمكن أن يحدث لأي فرد له نفس الشخصية ويوجد في نفس الظروف أيا ما كان زمانه ومكانه؛ إذ إن علاقة العلة والمعلول التي تكمن من وراء حياة الإنسان هي في أساسها واحدة، ومن هنا فإن الدراما تكشف عن حقيقة من حقائق الحياة تتسم بأنها أعم وأعمق من السيرة التي تسرد حياة يوم بيوم.