أَمَرَهُ، فَيُخْرِجُكَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِكَ، فَصِرْتَ فِي ضِيقِ قَبْرِكَ، يَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، إِنْ تَتَّقِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْصِمُكَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَنْ يَعْصِمَكَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ اللَّهِ، يَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، لَا تَأْمَنْ أَنْ يَنْظُرَ اللَّهُ إِلَى قُبْحِ مَا تَعْمَلُ فِي طَاعَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، نَظْرَةَ مَقْتٍ، فَيُغْلِقَ بِهَا بَابَ الْمَغْفِرَةِ دُونَكَ، يَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانُوا - وَاللَّهِ - عَلَى الدُّنْيَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ أَشَدَّ إِدْبَارًا مِنْ إِقْبَالِكُمْ عَلَيْهَا وَهِيَ مُدْبِرَةٌ، يَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، إِنِّي أُخَوِّفُكَ مَقَامًا خَوَّفَكَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَالَ: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ، يَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، إِنَّ تَكُ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى طَاعَتِهِ، كَفَاكَ اللَّهُ - وَاللَّهِ - يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّ تَكُ مَعَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، فَبَكَى عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَامَ بِعَبْرَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا بِإِذْنِهِمَا، وَجَوَائِزِهِمَا، فَكَثَّرَ فِيهَا لِلْحَسَنِ، وَكَانَ فِي جَائِزَةِ الشَّعْبِيِّ بَعْضُ الْإِقْتَارِ، فَخَرَجَ الشَّعْبِيُّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ مِنَ اسْتَطَاعَ أَنْ يُؤْثِرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خَلْقِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا عَلِمَ الْحَسَنُ مِنْهُ شَيْئًا فَجَهِلْتُهُ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ وَجْهَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَأَقْصَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَكَانَ الْحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ اللَّهِ فِي طَاعَتِهِ، فَحَيَّاهُ وَأَدْنَاهُ. قَالَ: فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ مُخَادِشٍ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِمُجَالَسَةِ قَوْمٍ يُخَوِّفُونَا حَتَّى تَكَادَ قُلُوبُنَا تَطِيرُ؟،فَقَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ لِأَنْ تَصْحَبَ أَقْوَامًا يُخَوِّفُونَكَ، حَتَّى تُدْرِكَ أَمَّنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ أَقْوَامًا يُؤَمِّنُونَكَ حَتَّى تَلْحَقَكَ الْمَخَاوِفَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْبِرْنَا بِصِفَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: ظَهَرَتْ مِنْهُمْ عَلَامَاتُ الْخَيْرِ فِي السِّرِّ وَالسَّمْتِ وَالصِّدْقِ، وَحَسُنَتْ عَلَانِيَتُهُمْ بِالِاقْتِصَادِ، وَمَمْشَاهُمْ بِالتَّوَاضُعِ وَمَطْلَعُهُمْ بِالْفَصْلِ، وَطِيبُ مَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ، وَبَصَرُهَمْ بِالطَّاعَةِ، وَاسْتِعْدَادُهُمْ لِلْحَقِّ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا، وَإِعْطَاؤُهُمُ الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ لِلْعَدُوِّ وَالصَّدِيقِ، وَبِحِفْظِهِمْ فِي الْمِنْطَقِ مَخَافَةَ الْوِزْرِ، وَمُسَارَعَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ رَجَاءَ الْأَجْرِ، وَالِاجْتِهَادِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمُزَاحَاتِهِمْ، وَكَانُوا أَوْصِيَاءَ أَنْفُسِهِمْ، ظَمِئَتْ هَوَاجِرُهُمْ، وَكَلَّتْ أَجْسَامُهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتَحَبُّوا سَخَطَ الْمَخْلُوقِينَ بِرِضَا خَالِقِهِمْ، لَمْ يُفَرِّطُوا فِي غَضِبٍ وَلَمْ يَخُوضُوا فِي جَوْرٍ، وَلَمْ يُجَاوِزُوا حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ، فَشَغَلُوا الْأَلْسُنَ
آداب المجاهدين وواجباتهم · الصفحة ٣٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
آداب المجاهدين وواجباتهمص ٣٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي