فلقد رزق الله إبراهيم - عليه السلام - إسماعيل - عليه السلام - فبلغ من البر بأبيه ما لم يبلغه أحد في طاعة الوالد. كما ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه المبين فقال تعالى: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾ بمعنى شب وارتجل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ وروؤيا الأنبياء وحي.
وإنما أعلم ابنه إسماعيل بذلك ليكون أهون عليه وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ أي سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلهُ لِلْجَبِينِ ﴾ أي فلما تشهد وذكر الله تعالى إبراهيم على الذبح والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلما وانقادا: إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل طاعة الله تعالى وطاعة أبيه، ومعنى: «تله للجبين» أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه.