أحمد بن عطاء الروذباري يقول : كنت راكبا جملا ، فغاصت رجلا الجمل في الرمل ، فقلت : جل الله ، فقال الجمل : جل الله . وكان أبو عبد الله الروذباري إذا دعا أصحابه معه إلى دعوة في دور السوقة ، ومن ليس من أهل التصوف لا يخبر الفقراء بذلك ، وكان يطعمهم شيئا ، فإذا فرغوا أخبرهم ، ومضى بهم فكانوا قد أكلوا في الوقت فلا يمكنهم أن يمدوا أيديهم إلى طعام الدعوة إلا بالتعزز . وإنما كان يفعل ذلك ، لئلا تسوء ظنون الناس بهذه الطائفة فيأثموا بسببهم . وقيل : كان أبو عبد الله الروذباري يمشي على أثر الفقراء يوما ، وكذا كانت عادته أن يمشي على أثرهم ، وكانوا يمضون إلى دعوة فقال إنسان بقال : هؤلاء المستحلون وبسط لسانه فيهم ، وقال في اثناء كلامه : إن واحدا منهم قد استقرض مني مائة درهم . ولم يردها علي ولست أدري أين أطلبه ؟ فلما دخلوا دار الدعوة ، قال أبو عبد الله الروذباري لصاحب الدار وكان من محبي هذه الطائفة . إثنتي بمائة درهم إن أردت سكون قلبي . فأتاه بها في الوقت فقال لبعض أصحابه : أحمل هذه المائة إلى البقال الفلاني ، وقل له : هذه المائة التي استقرضها منك بعض أصحابنا ، وقد وقع له في التأخير بها عذر ، وقد بعثها الآن . . فأقبل عذهر ! ! فمضى الرجل ، وفعل ، فلما رجعوا من الدعوة اجتازوا بحانوت البقال ، فأخذ البقال في مدحهم يقول : هؤلاء هم الثقاة الأمناء الصلحاء ، وما أشبه ذلك . وقال أبو عبد الله الروذباري : أقبح من كل قبيح صوفي شحيح . قال أبو القاسم الأستاذ الإمام جمال الإسلام ، رضي الله عنه هذا هو ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة . وكان الغرض من ذكرهم في هذا الموضع التنبيه على أنهم مجمعون على تعظيم الشريعة ؛ متصفون بسلوك طرق الرياضة ، مقيمون على متابعة السنة ، غير مخلين بشيء من آداب الديانة ، متفقون على أن من خلا من المعاملات والمجاهدات ولم يبن أمره على أساس الورع والتقوى كان مفتريا على الله سبحانه وتعالى ، فيما يدعيه ، متفونا ، هلك في نفسه ، وأهلك من أغتر به ممن ركن إلى أباطيله .
الرسالة القشيرية · الصفحة ٨٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الرسالة القشيريةص ٨٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي