وقال يحيى بن معاذ : مثقال خردلة من الحب أحب إلي من عبادة سبعين سنة بلا حب . وقيل : إن شابا أشرف على الناس في يوم عيد وقال : من مات عشقا فليمت هكذا . . . لا خير في عشق بلا موت وألقى نفسه من سطح عال فوقع ميتا . وحكي أن بعض أهل الهند عشق جارية ، فرحلت الجارية ، فخرج الرجل في وداعها ، فدمعت إحدى عينيه دون الأخرى ، فغمض التي لم تدمع أربعا وثمانين سنة . ولم يفتحها ، عقوبة لها ؛ لأنها لم تبك على فراق حبيبته ، وفي معناه أنشدوا : بكت عيني غداة البين دمعا . . . وأخرى بالبكا بخلت علينا فعاقبت التي بخلت بدمع . . . بأن غمضتها يوم التقينا وقال بعضهم : كنا عند ذي النون المصري : فتذاكرنا المحبة ، فقال ذو النون : كفوا عن هذه المسألة ، لا تسمعها النفوس فتدعيها . ثم أنشأ يقول : الخوف أولى بالمسي . . . ء إذا تأله والحزن والحب يجمل بالتقي . . . وبالنقي من الدرن وقال يحيى بن معاذ : من نشر المحبة عند غير أهلها فهو في دعواه دعي . وقيل : ادعى رجل الاستهلاك في محبة شخص ، فقال له الشاب : كيف هذا ، وأخي أحسن مني وجها وأتم جمالا ؟ فرفع الرجل رأسه يلتفت ، وكانا على سطح فالقاه من السطح وقال : هذا أجر من يدعي هوانا وينظر إلى سوانا . وكان سمنون يقدم المحبة على المعرفة ، والأكثرون يقدمون المعرفة على المحبة . وعند المحققين : المحبة : استهلاك في لذة ، والمعرفة : شهود في حيرة ، وفناء في هيبة . وقال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة ، بمكة ، أيام الموسم ، فتكلم الشيوخ فيها ، وكان الجنيد أصغرم سنا ، فقالوا له : هات ما عندك يا عراتي ، فأطرق رأسه ودمعت عيناه ، ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرق قلبه أنوار هويته ، وصفا شربه منكأس وده ، وانكشف له الجبار من أستار غيبه ؛ فإن
الرسالة القشيرية · الصفحة ٣٥٥
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
الرسالة القشيريةص ٣٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي