تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رأيت ذلك فيكما وكان أبو القاسم المنادي هذا يدخل السوق كل يوم ينادي ، فإذا وقع بيده ما فيه كفايته من دانق إلى نصف درهم خرج منه . وعاد إلى رأس وقته ، ومراعاة قلبه . وقال الحسين بن منصور : الحق إذا استولى على سر ملكه الأسرار ؛ فيعاينها ، ويخبر عنها . وسئل بعضهم عن الفراسة ، فقال : أرواح تتقلب في الملكوت ، فتشرف على معاني الغيوب ، فتنطق عن أسرار الخلق نطق مشاهدة ، لا نطق ظن وحسبان . وقيل : كان بين زكريا الشختني وبين امرأة سبب قيل توبته ، فكان يوما واقفا على رأس أبي عثمان الحيري ، بعدما صار من خواص تلاميذه ، فتفكر في شأنها ، فرفع أبو عثمان رأسه إليه وقال : أما تستحي ؟ ! قال الأستاذ الإمام ، رحمه الله : كنت في ابتداء وصلتي بالأستاذ أبي علي الدقاق ، رضي الله عنه ، عقد لي المجلس في مسجو المطرز فاستأذنته وقتا للخروج إلى نسا فأذن لي فيه ، فسكنت أمشي معه يوما في طريق مجلسه ، فخطر ببالي : ليته ينوب عني في مجالسي أيام غيبتي . فالتفت إلي ، وقال لي : أنوب عنك أيام غيبتك في عقد المجالس . فمشيت قليلا . . فخطر ببالي أنه عليل يشق عليه أن ينوب عني في الأسبوع يومين ، فليته يقتصر علي يوم واحد في الأسبوع ؛ فالتفت إلي وقال : إن لم يمكني في الأسبوع يومان أنوب عنك في الأسبوع مرة واحدة ، فمشيت معه قليلا ؛ فخطر ببالي شيء ثالث ، فالتفت إلي وصرح بالإخبار عنه على القطع . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله ، يقول : سمعت جدي أبا عمرو بن نجيد يقول : كان شاه الكرماني حاد الفراسة ، لا يخطىء ، ويقول : من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشهوات ، وعمر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة ، وتعود أكل الحلال ؛ لم تخطىء فراسته . وسئل أبو الحسن النوري : من أين تولدت فراسة المتفرسين ؟ فقال : من قوله تعالى : ' ونفخت فيه من روحي ' ، فمن كان حظه من ذلك النور أتم ، كانت مشاهدته أحكم ، وحكمه بالفراسة أصدق ، ألا ترى كيف أوجب نفخ الروح فيه السجود له بقوله تعالى : ' فأذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ' [ ص : 72 ] .

الرسالة القشيرية · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ٢٦٨