تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأول ذلك : هجران إخوان السوء ؛ فإنهم هم الذين يحملونه على رد هذا القصد ويشوشون عليه صحة هذا العزم . ولا يتم ذلك : إلا بالمواظبة على المشاهدة التي تزيد رغبته في التوبة وتوفر دواعيه على إتمام ما عزم عليه . مما يقوي خوفه ورجاءه : فعند ذلك تنحل من قلبه عقدة الإصرار على ما هو عليه من قبيح الأفعال ، فيقف عن تعاطي المحظورت ، ويكبح لجام نفسه عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال ، ويبرم العزيمة على أن لا يعود إلى مثلها في الاستقبال . فإن مضى على موجب قصده ، ونفذ بمقتضى عزمه فهو الموفق صدقا . وإن نقض التوبة مرة أو مرات ، وتحمله إرادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا أيضا كثيرا ، فلا ينبغي قطع الرجاء عن توبة أمثال هؤلاء ، فإن لكل أجل كتابا . حكي عن أبي سليمان الداراني ، أنه قال : أختلفت إلى مجلس قاض ، فأثر كلامه في قلبي ، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء . . فعدت ثانيا ؛ فبقي أثر كلامه في قلبي ، حتى رجعت إلى منزلي . فكسرب آلات المخالفات ولزمت الطريق . فحكى هذه الحكاية لحيي بن معاذ فقال : عصورا اصطاد كركيا ! ! أراد بالعصفور . ذلك القاص ، وبالكركي ، أبا سليمان الداراني ويحكى عن أبي حفص الحداد أنه قال : تركت العمل كذا ، وكذا مرة ، فعدت إليه ، ثم تركني العمل ، فلم أعد بعد إليه . وقيل : إن أبا عمرو بن نجيد ، في ابتداء أمره ، أختلفت إلى مجلس أبي عثمان ، فأثرت في قلبه كلامه ، فتاب . ثم إنه وقعت له فترة ، فكان يهرب من أبي عثمان إذا رآه ، ويتأخر عن مجلسه فاستقبله أبو عثمان يوما فحاج أبو عمرو عن طريقه ، وسلك طريقا أخرى ، فتبعه أبو عثمان فما زال به يقفو أثره ، حتى لحقه ، فقال له : يا بني ، لا تصحب من لا يحبك إلا معصوما ، إنما ينفعك أبو عثمان في مثل هذه

الرسالة القشيرية · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ١٢٨