تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأعلم أن الذي يتصف به العبد : أفعال ، وأخلاق ، وأحوال . فالأفعال : تصرفاته باختياره . والأخلاق : جبلة فيه ، ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة . والأحوال : ترد على العبد على وجه الابتداء ، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال . فهي كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل الأخلاق بقلبه فينفي بجهده سفسافها ، من الله عليه بتحسين أخلاقه ، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ، ببذل وسعه من الله عليه بتصفية أحواله بل فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال : أنه فنى عن شهواته . فإذا فنى عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته . ومن زهد في دنياه بقلبه ، يقال . فنى عن رغبته : فإذا فني عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته . ومن عالج أخلاقه فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، والبخل ، والشخ والغضب ، والكبر ، وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : فنى عن سوء الخلق . فإذا فنى عن سوء الخلق بقي بالفتوة والصدق . ومن شاهد جريان القدرة في تصاريف الأكام ، يقال : فنى عن حسبان الحدثان من الخلق . فذا فنى عن توهم الآثار من الأغيار بقي بصفات الحق . ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار لا عينا ولا أثرا ؛ ولا رسما ، ولا طللا ؛ يقال : إنه فنى عن الخلق وبقي بالحق . ففناء العبد عن أفعاله الذميمة ، وأحواله الخسيسة : بعدم هذه الأفعال . وفناؤ عن نفسه ، وعن الخلق : بزوال إحساسه بنفسه وبهم . فإذا فنى عن الأفعال ، والأخلاق ، والأحوال ، فلا يجوز أن يكون ما فنى عنه من ذلك موجودا . وإذا قيل : فنى عن نفسه ؛ وعن الخلق ، فنفسه موجودة ، والخلق موجودون . ولكنه لا علم له بهم ولا به ، ولا إحساس ، ولا خبر ، فتكون نفسه موجودة ، والخلق موجودين ولكنه غافل عن نفسه وعن الخلق أجمعين ، غير محس بنفسه وبالخلق . وقد ترى الرجل يدخل على ذى سلطان ؛ أو محتشم ، فيذهل عن نفسه ، وعن أهل

الرسالة القشيرية · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ١٠٣