العقل قبل ورود الشرع ودعا الشرع إليه وهذا مذهب المعتزلة بأسرهم والذي ذهب إليه من أصحابنا أبو بكر القفال الشاشى والصيرفى وأبو بكر الفارسي والقاضى أبو حامد وغيرهم وذهب الحليمى أيضا من المتأخرين وذهب إلى هذا كثير من أصحاب أبى حنيفه خصوصا العراقيون منهم واستدلوا في ذلك وقالوا إن الله تعالى وبخ الكفار على تركهم الاستدلال بعقولهم على وحدانيته وربوبيته بما يشاهدونه فى أنفسهم وغيرهم من الخليقة وأصنافها من الآيات والعلامات فقال لآيات لأولي الألباب وقال لأولي النهى وقال أفلا تعقلون وقال لقوم يعقلون وقال تعالى إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي عقل وقال تعالى حاكيا عن أهل النار وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير والآيات على هذا المعنى تكثر فى القرآن فلو كان العقل لا يدلهم على وجوب ذلك إذا رجعوا إليه لم يوبخوا على ترك الاستدلال بها
ببينة أن الله تعالى لم يخل شيئا من العالم عن دلالة على وحدانيته ولم يترك خلقه سدى مع إكمال عقولهم وإزاحة العلل عنهم وتمهيد الأسباب التي يصح بها معارفهم فلو لم يجب عليهم الاستدلال بعقولهم بالنظر فى هذه الأشياء لخرج الأمر فى ذلك عن وجه الحكمة ولبطلت فائدة العقول التي أعطاهم وصاروا بمنزلة البهائم التي لا تحتاج إلى تكليف وحين لم تعط آلته ولم يجعل لها استطاعة وهم فى هذا الكلام كثيرا ثبوتا إلى طرف من ذلك واقتصرنا عليه لأن المسألة من باب الكلام أما الدليل على القول الأول وهو الصحيح وإياه نختار ونزعم أنه شعار أهل السنة قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولم يقل حتى نركب فيهم عقولا فلما كان العذاب غير واقع إلا بالخطاب دل أن الإيجاب غير واقع إلا به وقال تعالى حكاية عن الملائكة في خطابهم مع أهل النار ألم يأتكم رسل منكم وقال ألم يأتكم نذير فى أى غير هذا مما هو فى معناه فدل أن الحاجة إنما لزمتهم بالسمع دون العقل وقد ورد نص القرآن بهذا وهو قوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فدل أنه لا حجة